الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ الأَيْمَانِ والنُّذُور
الأيمانُ في اللغةِ: جمعُ يمينٍ، وهو القَسَمُ، واليَمينُ: اليدُ اليُمنى، وكانوا إذا تحالفوا تصافحوا بالأيمانِ تأكيدًا لما عقدوا، فسمِّي القَسَمُ يمينًا؛ لاستعمالِ اليمينِ فيه.
وفي الاصطلاحِ: تأكيدُ ما يحتمِلُ المخالفةَ بذكرِ اسمٍ منْ أسماءِ اللهِ تعالى، أو صفةٍ منْ صفاتِه.
والأصلُ فيه قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].
وأحاديثُ، منها: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي الله عنهما قالَ: أكثرُ ما كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يحلفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ»
(1)
.
والنَّذرُ في اللُّغةِ: مصدرُ نذَرْتُ أنْذرُ -بضمِّ الذالِ وكسرِها- أي: أوجبْتُ على نفسي شيئًا لم يكنْ واجبًا عليَّ.
وفي الاصطلاحِ: هو التزامُ قربةٍ غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرعِ.
والأصلُ فيه آياتٌ، منها: قولُه تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}
(1)
رواه البخاري (6956).
[الحج: 29]، وقولُه تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7].
وأحاديثُ، منها: حديثُ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ»
(1)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إِلَّا بِاللهِ تعالى، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ» ، لا يصحُّ اليمينُ ولا يترتبُ عليه آثارُه إلا إذا كانَ باللهِ تعالى، أو باسمٍ منْ أسمائِه الحُسنى، كقولِ:«واللهِ لأفعلَنَّ كذا» ، أو «والرحمنِ لأفعلَنَّ كذا» ، أو بصفةٍ منْ صفاتِه الحُسنى، كقولِه:«وعزةِ اللهِ لأفعلَنَّ كذا» ، أو «وعظمةِ اللهِ لأفعلَنَّ كذا» ، ودليلُ ذلك حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:«مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»
(2)
.
وقد سبقَ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ أكثرَ ما كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يحلفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ»
(3)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَمَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ» ، إذا حلفَ إنسانٌ بصدقةِ مالِه، كقولِه -مثلًا-:«للهِ عليَّ أنْ أتصدقَ بمالي إنْ فعلتُ كذا» ، فالحالفُ مخيرٌ بينَ الوفاءِ بما حلفَ عليه والتزامِه منَ الصدقةِ بمالِه، أو الكَفَّارةِ، وهذا يعبرُ عنه العلماءُ تارةً بيمينِ اللَّجَاجِ والغضبِ، وتارةً بنذرِ اللَّجَاجِ والغضبِ، وأضيفَ إلى اللجَاجِ -وهو التمادي في
(1)
رواه البخاري (3618).
(2)
رواه البخاري (2533)، ومسلم (1646).
(3)
رواه البخاري (6956).
الخصومةِ- وإلى الغضبِ؛ لأنَّه غالبًا يحصلُ عندَهما، وسواءٌ كان يمينًا أو نذرًا فقدْ جاءَ في حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»
(1)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَلَا شَيْءَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ» ، لغوُ اليمينِ: هو ما يجري على اللسانِ دونَ قصدِ الحلفِ، وهذا لا كفارةَ فيه ولا إثمَ، قالَ تعالى:{لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]؛ أي: قصدتموه وعزمْتُم عليه.
وقد سُئلتْ عائشةُ رضي الله عنها عن لَغْوِ اليمينِ فقالَت: «هو قولُ الرَّجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ»
(2)
.
وفي روايةٍ: «هو كلامُ الرَّجلِ في بيتِه: كلَّا واللهِ، وبلى واللهِ»
(3)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِفِعْلِهِ لَمْ يَحْنَثْ» ، الحِنْثُ هو عدمُ الوفاءِ باليمينِ، وهو في الأصلِ الذنبُ، قالَ تعالى:{وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 46]، وأُطلقَ الحِنْثُ على ما ذكر؛ لأنَّه سببٌ له، ومَنْ حلفَ أنْ لا يفعلَ شيئًا فأمرَ غيرَه بفعلِه لم يحنَثْ؛ لأنَّه لم يباشرِ الفعلَ، والفعلُ يُنسبُ إلى مَنْ باشرَه.
(1)
رواه مسلم (1645).
(2)
رواه البخاري (4337).
(3)
رواه أبو داود (3254)، وابن حبَّان (4690).
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ أَمْرَيْنِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَحْنَثْ» ، وذلك كما لو حلفَ أنْ لا يلبسَ هذينِ الثوبينِ، أو أنْ لا يكلمَ زيدًا وعمْرًا، فلبسَ أحدَ الثوبينِ، أو كلَّمَ أحدَ الرجُلينِ، فلا يحنَثُ؛ لأنَّ يمينَه على مجموعِ الأمرين، أمَّا لو قالَ: واللهِ لا ألبسُ هذا ولا هذا، أولا أكلِّمُ زيدًا ولا عمْرًا، فإنه يحنثُ بلبسِ أحدِ الثوبين، أو بتكليمِ أحدِ الرجُلينِ، لأنَّ إعادةَ حرفِ النَّفيِ تجعلُ كلًّا منهما مقصودًا باليمينِ على انفرادٍ.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
1 -
عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»، بلا عيبٍ يخِلُّ بعملٍ أو كسْبٍ.
2 -
«أَوْ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، كُلُّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ كِسْوَتُهُمْ ثَوْبًا ثوبًا» ، ويكونُ المُدُّ مِن غالبِ قُوتِ أهلِ البلدِ، وهو يُساوي بالوزنِ (600) جرامًا تقريبًا، وكذلك الثوبُ يكونُ مما يُعتادُ لُبسُه، كقميصٍ، أو عمامةٍ، أو خمارٍ، أو إزارٍ، ولا يشترطُ كونُه جديدًا؛ فيجوزُ دفعُه ملبوسًا لم تذهبْ قوتُه.
3 -
«فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» ، إذا لم يجدِ المُكَفِّرُ شيئًا من الثلاثةِ السابقةِ، فيلزمُه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ، ولا يجبُ تتابعُها لقولِه تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89].