الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالنَّهارِ على أهلِها، وأنَّ حفظَ الماشيةِ باللَّيلِ على أهلِها، وأنَّ على أهلِ الماشيةِ ما أصابت ماشيتُهم باللَّيلِ»
(1)
.
وذلك لأنَّ العادةَ جاريةٌ أن يَحْفَظَ أصحابُ البساتينِ زرْعَهم نهارًا ويتركوه ليلًا، وأصحابُ المواشي يُرسلونها نهارًا ويَحفظونها ليلًا، فقضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على وَفْقِ هذه العادةِ، فإذا قَصَّرَ أصحابُ الزَّرعِ ولم يحفظوه نهارًا، ودخلت المواشي وأَتْلَفَتْ منه لم يَضْمَنْه أصحابُ المواشي، وإذا قَصَّرَ أصحابُ المواشي، فتركوها تَسْرَحُ ليلًا، فدخلت الحوائطَ وأَتْلَفَتِ الزَّرعَ، ضَمِنَه أصحابُ المواشي.
«فَصْلٌ»
في أحكامِ قتالِ أهلِ البَغْي
البَغْيُ في اللُّغةِ: مَصْدَرُ بغى، وهو بمعنى علا وظَلَمَ وعَدَلَ عن الحقِّ واستطالَ.
وفي الاصطلاحِ: همُ الخارجون على الإمامِ الحقِّ بغيرِ حقٍّ إذا كانَ لهم مَنَعَةٌ.
والأصلُ في مشروعيَّةِ قتالِ أهلِ البغيِ قولُه تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
(1)
رواه أبو داود (3570)، والحاكم (2303)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي، والحوائطُ: جمعُ حائطٍ، وهو البستانُ.
بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9].
وقال عَرْفَجَةُ بنُ ضُرَيْحٍ رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، وَيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ»
(1)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَغْيُ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
1 -
أَنْ يَكُونُوا فِي مَنَعَةٍ»، وذلك بكثرةِ عَددِهم؛ بحيثُ لا يمْكنُ تفريقُ جمعِهم إلَّا بقتالِهم، فإن كانوا آحادًا لا يَمْتَنِعُونَ استُوفِيت منهم الحقوقُ، ولم يُقاتَلوا.
2 -
«وَأَنْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ» ؛ بانفرادِهم بِبَلْدَةٍ أو قرية ينحازون إليها، ويتميَّزون بها، كأهلِ الجملِ وصِفِّينَ، فإن كانوا على اختلاطِهم بأهلِ العدلِ ولم ينفردوا عنهم لم يقاتَلوا، ولا تجري عليهم أحكامُ البغاةِ.
3 -
«وَأن يَكونَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ» ، كالَّذي تأوَّلَه أهلُ الجَملِ وصِفِّينَ في المطالَبةِ بدمِ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه حيثُ اعتَقدوا أنَّه يَعْرِفُ قَتَلَتَهُ، ويَقْدِرُ عليهم ويَمْنَعُهم منهم لرضاه بقتلِه، ومواطأتِه إيَّاهم، وكذا كلُّ تأويلٍ بطلانُه مظنونٌ، فإن لم يكنْ لهم تأويلٌ، أُجْرِيَ عليهم حُكمُ الحِرابةِ وقطَّاعِ الطَّريقِ.
ويُرْسِلُ إليهم الإمامُ من يَنْصَحُهم ويدعوهم إلى الطَّاعةِ، ويكشفُ لهم ما عندَهم من الشُّبَهِ، ويحذِّرُهم من عاقبةِ البغيِ،
(1)
رواه مسلم (7140).
ويُنذرُهم بالقِتالِ إن أصرُّوا على ما هم عليه، وهذا ما فَعَلَه عليٌّ رضي الله عنه حيث بَعَثَ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما إلى الخوارجِ فناظَرَهَم فرَجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ وأصرَّ الباقون، فقاتَلَهم عليٌّ رضي الله عنه
(1)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ» ، ممَّا يَختلفُ فيه قتالُ أهلِ البغيِ من المسْلمينَ عن قِتالِ الكفَّارِ أنه إذا أُخِذَ منهم أسرى لا يُقْتَلُون، كما أنَّهم لا يُسْتَرَقُّونَ، وإذا أُخِذَتْ منهم أموالٌ لا تُقْسَمُ كما تُقْسَمُ الغنائمُ، بل تُحْفَظُ حتى إذا انتهى بغيُهم رُدَّت إليهم، وإذا وُجِدَ منهم جريحٌ لا يُذَفَّفُ عليه؛ أيْ: لا يُتَمَّمُ قتلُه، وإذا وَلَّى أحدُهم هاربًا فلا يُتْبَعُ، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضي الله عنهما قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ:«يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي مَا حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟» ، قال ابنُ مسعودٍ: اللهُ ورسولُه أَعْلَمُ، قالَ:«فَإِنَّ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَنْ لَا يُتْبَعَ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُقْتَلَ أَسِيرُهُمْ وَلَا يُذَفَّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ»
(2)
.
وفي روايةٍ: «وَلَا يُقَسَّمَ فَيْؤُهُمْ»
(3)
؛ أيْ: ما يُغْنَمُ منهم.
وأَمَرَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه مناديَه يومَ الجملِ فنادى: «لا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، ولا يُذَفَّفُ على جريحٍ، ولا يُقْتَلُ أسيرٌ، ومَن أَغْلَقَ بابَه
(1)
رواه أحمد (656)، والحاكم (2657)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.
(2)
رواه الحاكم في «المستدرَك» (2662). وتذفيفُ الجريحِ: الإجهازُ عليه وتعجيلُ قتلِه.
(3)
رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (16532).