الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ»
(1)
.
ومعنى الحديثِ أنَّ الماشيةَ إنَّما تَرعَى بِقُرْبِ الماءِ، فإذا منع الماءَ وليس هناك ماءٌ آخرُ فقد منَع من الكلإِ وحازه لنفسِه، وفوَّتَهُ على النَّاسِ.
2 -
«وَأَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَهِيمَتِهِ» ، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ وجوبِ بذلِ الماءِ الفاضلِ عن حاجتِه: أنْ يحتاجَ إليه غيرُه، إمَّا لنفسِه، أو لبهائمِه، ولا يجبُ بذلُه للزَّرعِ، وإنَّما وَجبَ بذلُه للبهائمِ دون الزرعِ لحرمةِ الرُّوحِ.
3 -
«وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسْتَخْلَفُ فِي بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ» ، الشَّرطُ الثَّالثُ من شروطِ وجوبِ بذلِ الماءِ الفاضلِ عن حاجتِه: أن يكونَ الماءُ الفاضلُ عن حاجتِه مما يُسْتَخْلَفُ؛ أي: يَخلفُه ماءٌ غيرُه، سواءٌ كان في بئرٍ أو عينٍ، أو غيرِ ذلك، وأما الذي لا يَخلُفُه غيرُه؛ كالمستقرِّ في إناءٍ، أو في حوضٍ مسدودٍ؛ فلا يجبُ بذلُ فضلِه، والفرقُ أنه في صورةِ الاستخلافِ لا يلحقُه ضررٌ بالاحتياجِ إليه في المستقبلِ بخلافِه في ما لا يُسْتَخْلَفُ.
«فَصْلٌ»
في الوقف
الوقفُ في اللُّغةِ: الحبسُ والمنعُ، يُقالُ: وَقفْت كذا؛ أي: حبَسْتُه.
(1)
رواه البخاري (2227)، ومسلم (1566).
وفي الاصطلاح: حبسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عينِه، بقطعِ التصرفِ في رقبتِه، وتُصرَفُ منافعُه في وجوهِ البرِّ؛ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى.
والأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ قولُه تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77].
ومن السُّنةِ حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: «إنَّ عمرَ بنَ الخطابِ أصاب أرضًا بخيبرَ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يستأمرُه فيها، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصبتُ أرضًا بخيبرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تأمرُ به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» ، قال: فتصدَّقَ بها عمرُ؛ أنَّه لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُورثُ، وتَصدَّقَ بها في الفقراءِ، وفي القُربَى، وفي الرقابِ، وفي سبيلِ اللهِ، وابنِ السبيلِ، والضيفِ، لا جناحَ على مَن ولِيها أنْ يأكلَ منها بالمعروفِ، ويطعمَ غيرَ مُتَمَوِّلٍ
(1)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَالْوَقْفُ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
1 -
أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ»، يجوزُ الوقفُ بشروطٍ ثلاثةٍ؛ أولُها: أنْ يُنْتَفَعَ به مع بقاءِ عينِه، فيدخلُ فيه الأراضي والعَقارُ، ونحوُ ذلك؛ مُفْرَزًا كان أو مَشاعًا، واحتُرِزَ به عمَّا لا يُنتَفعُ به مع بقاءِ عينِه، كالطعامِ ونحوِه؛ لأنَّه لا يُنتَفعُ به إلا باستهلاكِ عينِه.
(1)
رواه البخاري (2586)، ومسلم (1632)، و «غيرَ متموِّلٍ»؛ أي: غيرَ جامعٍ.
2 -
«وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ لَا يَنْقَطِعْ» ، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ جوازِ الوقفِ: أنْ يكونَ على «أصلٍ مَوْجُودٍ» ؛ لأنَّ الوقفَ نقلُ ملكِ المنافعِ إلى الموقوفِ عليه، وتمليكُ المعدومِ باطلٌ، وكذلك تمليكُ من لا يملكُ، ومثالُ تمليكِ المعدومِ أنْ يُوقِفَ على من سيُولَدُ، أو على مسجدٍ سيُبنى، ومثالُ تمليكِ من لا يَمْلِكُ الوقفُ على الحمْلِ، أو على العبدِ، فهذا وأشباهُه باطلٌ؛ لأنَّ الوقفَ تمليكٌ منجزٌ، فلا يصحُّ على مَن لا يملكُ؛ كالبيعِ وسائرِ التَّمليكاتِ، وهذا النَّوعُ يعبرُ عنه الفقهاءُ بقولِهم: منقطعُ الأولِ، وكذلك يُشتَرطُ في جوازِ الوقفِ أن يكونَ «على فرعٍ لا ينقطعُ» ، كالوقفِ على الفقراءِ والعلماءِ والمجاهدينَ والمساجدِ، فإن قال: وَقفْتُ على الفقيرِ فلانٍ، أو عليه وعلى أولادِه؛ لم يصحَّ، وهو ما يعبِّرُون عنه بقولِهم: منقطعُ الآخِرِ، فإذا قال: أوقفتُ على أولادِه، ثمَّ الفقراءِ من بعدِهم، صحَّ الوقفُ.
3 -
«وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْظُورًا» ، الشَّرطُ الثَّالثُ من شروطِ جوازِ الوقفِ: أنْ لا يكونَ محظورًا؛ كالوقفِ على البيعِ، والكنائسِ، وكذلك كتبُ التوراةِ والإنجيلِ؛ لأنَّها محرَّفةٌ، وذلك لأنَّ الوقفَ معروفٌ وبِرٌّ، والمعصيةُ على عكسِ ذلك.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مِنْ تَقْدِيمٍ، أَوْ تَأْخِيرٍ، أَوْ تَسْوِيَةٍ، أَوْ تَفْضِيلٍ» ، مبنَى الوقفِ على اتباعِ شرطِ الواقفِ من تقديمٍ أو تأخيرٍ أو تسويةٍ أو تفضيلٍ، فمثالُ التقديمِ والتأخيرِ، كقولِه: وقفتُ على أولادِي بشرطِ أنْ يُقدَّمَ