الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شِرَاءِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ، فقال لِمَنْ حَوْلَهُ:«أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» ، قالوا: نعم، فنَهَى عن ذلكَ
(1)
.
وأما استثناؤُه اللَّبنَ، فلأنَّ حالَ كونِه لبنًا هي حالُ كمالٍ له، فيُباعُ الحليبُ بالحليبِ، والرَّائبُ بالرائبِ، وكذلك يُباعُ الرَّائبُ بالحليبِ، والمعيارُ في اللَّبنِ الكيلُ وإنْ تفاوتَ الوزنُ.
«فَصْلٌ»
في السَّلَم
السَّلَمُ في اللُّغةِ: الاستعجالُ والتَّقديمُ، ويُقالُ: السَّلَمُ والسَّلَفُ؛ السَّلمُ لغةٌ حجازيةٌ، والسَّلفُ لغةٌ عراقيَّةٌ، وأسلَم في الشَّيْءِ وسلَّم وأسلَفَ بمعنًى واحدٍ، وسُمِّيَ سَلَمًا لتَسليمِ رأسِ المالِ في المجلسِ، وسلفًا لتقديمِ رأسِ المالِ وحدَه.
وفي الاصطلاحِ: بَيْعُ موصوفٍ في الذِّمةِ مؤجلٍ بثمنٍ مقبوضٍ.
والأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: نزلتْ في السَّلَمِ، في كَيْلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ
(2)
.
وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ وَهُمْ يُسْلِفُون
(1)
رواه مالك في «الموطأ» (1826)، وأبو داود (3359)، والترمذي (1225)، والنسائي (4545)، وابن ماجه (2264)، وابن حبَّان (5616).
(2)
«تفسير الطبري» (6318).
بالتَّمرِ السَّنتينِ والثلاثَ، فقال:«مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»
(1)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَيَصِحُّ السَّلَمُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا فِيمَا تَكَامَلَ فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ:
1 -
أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ»؛ أي: أنْ يكونَ المسْلَمُ فيه مضبوطًا بالصِّفَةِ التي لا يعزُّ وجودُها، كالحبوبِ والثِّمارِ والثِّيابِ والدوابِّ والأخشابِ والأحجارِ والحديدِ والرَّصاصِ ونحوِ ذلك من الأموالِ التي تُضْبَطُ بالصِّفاتِ بحيثُ تنتفي عنها الجهالةُ.
2 -
«وَأَنْ يَكُونَ جِنْسًا لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ غَيْرُهُ» ، كعلفٍ مخلوطٍ من شعيرٍ وغيرِه -مثلًا- أو طيبٍ مخلوطٍ من مسكٍ وعنبرٍ وغيرِهما، فلا يصحُّ ذلك، لأنَّ نسبةَ كلِّ جنسٍ في الخليطِ مجهولةٌ.
3 -
«وَلَمْ تَدْخُلُهُ النَّارُ لِإِحَالَتِهِ» ، فلا يصحُّ السَّلمُ في مطبوخٍ أو مشوِيٍّ؛ لاختلافِ الغرضِ باختلافِ تأثيرِ النارِ فيه، وتعذُّرِ الضَّبطِ؛ أمَّا إذا دخلتْه النارُ للتَّمْيِيزِ؛ كالعسلِ والسَّمنِ فيصحُّ فيه السَّلَمُ.
4 -
«وَأَنْ لَا يَكُونَ مُعَيَّنًا» ؛ أي: عَيْنًا حاضرةً، بل يُشْتَرطُ أنْ يكونَ دَيْنًا؛ لأنَّ لفظَ السَّلمِ مَوْضُوعٌ له، فلو قال: أسلمتُ إليك هذا الثوبَ لم ينعقدْ سَلَمًا.
5 -
«وَلَا مِنْ مُعَيَّنٍ» ؛ أي: لا يكونُ المُسْلَمُ فيه من موضعٍ معيَّنٍ لا يؤمَنُ انقطاعُه فيه، فلو أسلمَ في تَمْرِ قريةٍ صغيرةٍ، أو
(1)
رواه البخاري (2124)، ومسلم (1604).
بستانٍ، أو ضيعةٍ -أي: في قَدْرٍ معلومٍ منها- لم يصحَّ؛ لأنَّه قد ينقطعُ بجائحةٍ ونحوِها.
قال أبو شجاع رحمه الله: «ثمَّ لِصِحَّةِ السَّلَمِ فِيهِ ثَمَانِيَةُ شَرَائِطَ، وَهُوَ:
1 -
أَنْ يَصِفَهُ بَعْدَ ذِكْرِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ»؛ أي: يذكرُ جنسَ المُسْلَمِ فيه، فيقولُ -مثلًا-: قمحٌ، أو شعيرٌ، وهذا ليس من الصِّفاتِ، فإنَّ الجنسَ أصلُ الشَّيءِ، وأصلُ الشَّيءِ لا يكونُ صفةً له، ثمَّ يذكرُ النَّوعَ من هذا الجنسِ، فيقولُ -مثلًا-: قمحٌ مِصريٌّ، أو شاميٌّ، والصِّفةَ كأنْ يذكرَ لونَه أو شكلَه، ورقَّتَه أو ثُخونتَه، وكذلك الإبلُ والبقرُ والغنمُ والخيلُ والبغالُ والحميرُ من الذُّكورةِ والأنوثةِ والسِّنِّ واللَّونِ والنَّوعِ؛ وكذلك الطَّيرُ من الصِّغرِ والكبَرِ والذكورةِ والأنوثةِ والسنِّ إنْ عُرفَ؛ وكذلك الثِّيابُ من قُطْنٍ أو كَتَّانٍ أو حريرٍ أو غيرِه؛ ويذكرُ النَّوعَ، كمصريٍّ أو عِراقيٍّ، والطولَ والعَرضَ والغِلظةَ والدقةَ والصَّفاقةَ والرِّقةَ والنُّعومةَ والخشونةَ، وهكذا.
2 -
«وَأَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ بِمَا يَنْفِي الْجَهَالَةَ عَنْهُ» ؛ أي: أنْ يكونَ المُسْلَمُ فيه معلومَ القدرِ كيلًا في مكيلٍ، ووزنًا في موزونٍ، وعدًّا في معدودٍ، وذرعًا في مذروعٍ.
3 -
«وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا ذُكِرَ وَقْتُ مَحِلِّهِ» ؛ أي: وقتُ حُلُولِ الأجل، فيجبُ أنْ يَذْكُرَ العاقدُ أجلًا معلومًا، والأجلُ المعلومُ ما يعرفه النَّاس؛ كشهورِ العربِ، أو الفرسِ، أو الرُّومِ؛ لأنَّها معلومةٌ مضبوطةٌ.