الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ رضي الله عنه وحديثِ عثمانَ رضي الله عنه وغيرِهِما في صِفةِ وُضوءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
تنبيهٌ: كلُّ ما وَرَدَ في سُننِ الوُضوءِ ممَّا يوهِمُ ظاهرُه الوُجوبَ؛ دَلَّ على عَدَمِ الوُجوبِ؛ آيةُ الوُضوءِ الَّتي نَصَّتْ على الفرائِضِ.
ويُسْتَحَبُّ الذِّكْرُ عندَ الوُضوءِ، ومِنَ الأذكارِ الثَّابتةِ حديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»
(1)
.
وزادَ في روايةٍ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ»
(2)
.
«فَصْلٌ»
في الاستنجاء
الاستنجاءُ في اللُّغةِ: القَطْعُ، مأخوذٌ مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، وأَنْجَيْتُها إذا قطعتَها، فكأنَّه يَقْطَعُ الأذى عنه.
وفي الاصطلاحِ: إزالةُ ما يَخْرُجُ مِنَ السَّبيلينِ؛ سواءٌ بالغَسلِ، أو المَسحِ بالحِجارةِ ونحوِها عن مَوْضِعِ الخُروجِ وما قَرُبَ منه.
(1)
رواه مسلم (234).
(2)
رواه الترمذي (55).
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْأَحْجَارِ ثُمَّ يُتْبِعَهَا بِالْمَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يُنْقِي بِهِنَّ الْمَحَلَّ، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَالْمَاءُ أَفْضَلُ» ، الأفضلُ في الاستنجاءِ أنْ يَكونَ بالأحجارِ ثُمَّ إتباعُها بالماءِ؛ لما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُباءَ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]، فَسَأَلَهُم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنَّا نُتْبِعُ الحِجارةَ الماءَ
(1)
.
ويَجوزُ أنْ يَقْتَصِرَ على ثلاثةِ أحجارٍ لحديثِ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ»
(2)
.
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: أتى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الغائطَ فَأَمَرَني أنْ آتِيَهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فوجدْتُ حَجَرَيْنِ، والتمستُ الثَّالثَ فلم أَجِدْهُ، فأخذتُ رَوْثةً، فأتيتُه بها، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وألقى الرَّوْثةَ، وقال:«هَذَا رِكْسٌ»
(3)
.
(1)
رواه البَزَّار، كما في «كَشْف الأستارِ عن زوائِدِ البَزَّار» (247)، وقال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزَّوائِد» (1/ 498):«رواه البَزَّارُ وفيه محمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ عمرَ الزُّهريُّ، ضَعَّفَه البخاري والنَّسائيُّ وغيرُهما، وهو الَّذي أشارَ بجَلْدِ مالكٍ» .
(2)
رواه أحمد (25056)، وأبو داود (40)، والنسائي (44)، والدَّارقُطْنِي (146)، وقال:«إسنادُه صحيح» .
(3)
رواه البخاري (155)، وقال الحافظ في «الفتح» (1/ 258):«(هَذَا رِكْسٌ)؛ بكسر الراء، وإسكان الكاف، قيل: هي لغة في رجس، بالجيم، ويدل عليه رواية ابن ماجه وابن خزيمة في هذا الحديث، فإنها عندهما بالجيم، وقيل: الركس: الرجيع، رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة، قاله الخطابي وغيره، والأولى أن يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الروث» ، وقال ابن الأثير في «النهاية» (2/ 259):«(إِنَّهُ رِكْسٌ)، هو شبيه المعنى بالرجيع، يقال: ركست الشيء وأركسته إذا رددته ورَجَعته» .
وقالَ سَلْمانُ الفارسيُّ رضي الله عنه: «نَهَانَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبلةَ لغائطٍ، أو بولٍ، أو أنْ نستنجيَ باليَمينِ، أو أنْ نَستنجيَ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ، أو أنْ نَستنجيَ برَجِيعٍ أو بعَظْمٍ»
(1)
.
فإذا اقْتُصِرَ على أَحَدِهِما فالماءُ أَفْضَلُ؛ لأنَّه يُزيلُ عَينَ النَّجاسةِ وأَثَرَهَا، ولحديثِ أنسٍ رضي الله عنه قال:«كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا خَرَجَ لحاجَتِه أَجيءُ أنا وغُلامٌ ومعنا إداوةٌ مِن ماءٍ يَستنجي به»
(2)
.
قال أبو شجاع رحمه الله: «وَيَجْتَنِبُ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَيَجْتَنِبُ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَتَحْتَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ، وَالثَّقْبِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا» ، ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ عن أبي أيُّوبَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» ، قالَ أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنا الشَّامَ فَوَجَدْنا مَراحيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلةِ، فَنَنْحَرِفُ ونَسْتَغْفِرُ اللهَ تعالى
(3)
.
(1)
رواه مسلم (262)، والرَّجِيع: العَذِرة والرَّوث، سُمِّيَ رَجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو عَلَفًا.
(2)
رواه البخاري (149)، ومسلم (271)، و «الإداوةُ»: إناءٌ صغيرٌ من جِلْدٍ.
(3)
رواه البخاري (386)، ومسلم (264).
قال المُزَنِيُّ رحمه الله: «وذلك في الصَّحارى؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد جَلَسَ على لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بيتِ المَقْدِسِ، فدَلَّ أنَّ البِناءَ مُخالفٌ للصَّحارى»
(1)
.
والحديثُ الَّذي اسْتَشْهَدَ به المُزَنِيُّ هو حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ»
(2)
.
ويُجْتَنَبُ البولُ في الماءِ الرَّاكدِ لحديثِ جابرٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: «نَهى أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكدِ»
(3)
.
والتَّغَوُّطُ أَقْبحُ وأَوْلى بالنَّهْيِ.
وكذلك تحتَ الشَّجَرةِ المُثْمرةِ، صِيانةً للثمرة عن التَّلويثِ عندَ الوقوعِ فتعافُها النَّفْسُ.
وكذلك في الطَّريقِ، والظِّلِّ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» ، قالوا وما اللَّعَّانانِ يا رسولَ اللهِ؟ قال:«الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»
(4)
.
وكذلك في الثَّقْبِ؛ لحديثِ قَتادةَ عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ رضي الله عنه قال: «نَهى رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُبالَ في الجُحْرِ» ، قالوا لقَتادةَ رحمه الله: ما
(1)
«مُخْتَصر المُزَنِي» (ص: 10).
(2)
رواه البخاري (147)، ومسلم (266).
(3)
رواه مسلم (281).
(4)
رواه مسلم (269)، وقولُه:«اللَّعَّانَيْنِ» ؛ أي: الأمْرَيْنِ الجالِبَيْنِ لِلَّعنِ.
يُكْرَهُ من البولِ في الجُحْرِ؟ قال: كانَ يُقالُ: إنَّها مَساكنُ الجِنِّ
(1)
.
ويُجْتَنَبُ الكلامُ على البولِ والغائِطِ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللهَ عز وجل يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»
(2)
.
ولحديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ رَجُلًا مَرَّ ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَبولُ، فَسَلَّمَ، فلمْ يَرُدَّ عليه»
(3)
.
وقولُهُ: «وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا» ، اسْتَدَلُّوا له بحديثِ:«نَهى أنْ يَبولَ الرَّجلُ، وفَرْجُه بادٍ إلى الشَّمسِ والقمرِ»
(4)
.
فائدةٌ: يُسْتَحَبُّ لقاضي الحاجَةِ أنْ يَقولَ قبلَ الدُّخولِ إلى الخَلاءِ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»
(5)
، ويَقولَ بعدَ الخُروجِ:«غُفْرَانَكَ»
(6)
؛ لثُبوتِ ذلك عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
(1)
رواه أحمد (20794)، وأبو داود (29)، والنسائي (34)، والحاكم (666)، (667)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبيُّ، و «الجُحْرُ»: هو الثَّقبُ في الأرض.
(2)
رواه أحمد (11328)، وأبو داود (15)، وابن ماجه (342)، وابن حبَّان (1422)، والحاكم (560)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبيُّ.
(3)
رواه مسلم (370).
(4)
رواه الحكيمُ الترمذي في «المَنْهِيَّات» (ص: 33)، وقالَ ابنُ حَجَرٍ في «التَّلْخيص الحَبِير» (1/ 180):«هو حديثٌ باطلٌ لا أَصْلَ له» .
(5)
رواه البخاري (142)، ومسلم (375)، من حديثِ أنسٍ رضي الله عنه، و «الخُبُثُ»: جمعُ خبيثٍ، و «الخبائثُ»: جمعُ خبيثةٍ، والمرادُ ذكورُ الشَّياطينِ وإناثُهم.
(6)
رواه أحمد (25261)، والبخاري في «الأدب المُفْرَد» (693)، وأبو داود (30)، والترمذي (7)، وابن ماجه (300)، وابن حبَّان (1444)، من حديثِ عائشة رضي الله عنها.