الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب التاسع دلالة التعريض في لفظ المكلف
الكلام، منه الواضح (صريح، وظاهر)، ومنه المجمل كالكناية (1)، ومنه التعريض (2).
المراد بالتعريض في لفظ المكلف:
التعريض في اللغة: ضد التصريح، فيقال: عرَّض لفلان، وبفلان: إذا قال قولًا وهو يعنيه (3)، وذلك كأَنْ يقول رجل لآخر: ما أقبح البخل! تعريض بالمخاطب بأَنَّه بخيل (4).
ولا يخرج المراد به هنا عن المعنى اللغوي.
حجية دلالات التعريض في لفظ المكلف:
معرض الكلام لا دلالة فيه ظاهرة على قصد المكلف وإرادته، فلا يكون حجة على المكلف إلَّا إذا اقترن به ما يفسر الإِرادة ويوضح
(1) انظر: المطلب الأول من المبحث الثاني من الفصل الخامس من الباب الأول.
(2)
أشباه السيوطي 293.
(3)
مختار الصحاح 425.
(4)
أنيس الفقهاء 157، معجم لغة الفقهاء 135.
المعنى المراد من قرائن لفظية كالسياق، أَوْ عرفية، أَوْ حالية، فيحتج به، ولذلك قال الفقهاء: إنَّ على الخصم أَنْ يفصح في كلامه، ويبين دعواه وإجابته حتى يفهم كلامه، ولا يعتد بلحن خطابه (1)، ومعرض كلامه، فإذا أبهم كلامه لزمه تفسيره وبيانه بما يرفع الإِشكال، وإلَّا لم يعتد به (2).
قال ابن سهل (ت: 486 هـ): "إذا نقص المدعي من دعواه ما فيه بيان مطلبه أَمَرَه بتمامه، وإن أتى بإشكال أَمَرَه ببيانه، فإذا صَحَّت الدعوى سَأَل الحاكم المطلوب عنها
…
وإن أبهم جوابه أمره بتفسيره حتى يرتفع الإِشكال عنه" (3).
ويقول عياض (ت: 544 هـ) -وهو يبين المراد بفهم القاضي عن الخصمين -: "
…
تحققه ما سمع منهما دون احتمال، لا أَنّه فهم من معرض كلامهما، ولحن خطابهما، ليس هذا مما تقام الأحكام به" (4).
فلا يبنى الفهم السليم على معرض الكلام، ولحن الخطاب.
نَعَمْ، ما يفهمه القاضي من معرض كلام الخصم ولحن خطابه
(1) يقال: لَحَنَ له: قَالَ له قولًا يفهمه عنه ويخفى على غيره [مختار الصحاح 594] وهو بهذا في معنى التعريض.
(2)
البهجة 1/ 73، تبصرة الحكام 1/ 43.
(3)
الأحكام الكبرى 1/ 36، وانظر: تبصرة الحكام 1/ 149.
(4)
نقلًا عن البهجة 1/ 73، 74.
-مما يوجب الحق عليه لا له- يستدعي من القاضي التثبت وزيادة الكشف، حتى يتحقق للقاضي ما يثبت ذلك أَوْ ينفيه، أما الركون إلى ذلك مجردًا فغير سائغ.
فالتعريض المعتدّ به في الدلالة هو: ما دَلَّ على المعنى المراد بقرينة ظاهرة (1).
ومن أمثلة ما اعتُدَّ فيه بالتعريض للقرينة الملابسة له: من دفع ثوبه لخياط ليخيطه، ولم يكن منتصبًا لهذا العمل، ولم تجر عادته بأخذ الأجرة، فإنَّه لا يستحق أجرة إلَّا بشرط، لكن لو عَرَّض صاحب الثوب للخياط بدفع الأجرة لزمته أجرة المثل، وذلك كقوله له: خذه وأنا أعلم أَنّك مُتَعَيِّش، أَوْ أنا أُرْضِيك، ونحوه مما يَدُلُّ على التزامه إعطاء الأجرة (2).
* * *
(1) شرح حدود ابن عرفة للرصاع 702.
(2)
الكشاف 3/ 555، شرح المنتهى 2/ 355.