الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني الاعتداد بالعرف في تفسير لفظ المكلف
والمراد بالعرف هنا: ما اعتاده أكثر الناس وساروا عليه في جميع البلدان، أَوْ بعضها، من الأقوال، والأفعال، والتصرفات، سواء أكان ذلك في جميع العصور، أَمْ في عصر معين مما كان قائمًا وقت النطق والتصرف (1).
فيعمل بما اعتُدَّ في العرف من تفسيركلام المكلف ودلالة معانيه، فمن تكلم من المكلفين بكلام من إقرار ونحوه حمل كلامه على دلالته العرفية حال النطق؛ معنىً، واستنباطًا، وإطلاقًا، وتقييدًا، ونحو ذلك من وجوه الدلالات، وهو مقدم في ذلك على الدلالات اللغوية والمصطلحات الشرعية إذا خالفها؛ لأَنَّ كلام المكلف يبين مراده وقصده بلفظه الذي يتعامل به مع غيره (2).
(1) انظر ما سبق في الفقرة (5) من المبحث الثاني من الفصل الثالث من الباب الأول.
(2)
المغني 7/ 78 (ط: هجر)، شرح الكوكب المنير 1/ 299، معين الحكام للطرابلسي 129، إعلام الموقعين 2/ 173، 4/ 228، نشر العرف 144، رسم=
يقول ابن تَيْمِيَّهَ (ت: 728 هـ): "لفظ الواقف كلفظ الحالف والموصي، وكل عاقد يحمل قوله على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، سواء وافقت العربية العرباء، أَوْ العربية المولدة، أَوْ العربية الملحونة، أَوْ كانت غير عربية، وسواء وافقت لغة الشارع أَمْ لم توافقها؛ فإنَّ المقصود في الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها، فنحن نرجع في معرفة كلام الشارع إلى معرفة لغته، وعرفه، وعادته، وكذلك في خطاب كل أمة وكل قوم، فإذا تخاطبوا بينهم في البيع، أَوْ الإجارة، أَوْ الوقف، أَوْ الوصية، أَوْ النذر، أَوْ غير ذلك بكلام نرجع في معرفة مرادهم منه إلى ما يَدُلُّ على مرادهم من عادتهم في الخطاب وما يقترن بذلك من الأسباب"(1).
لكن إذا كان صريح القول ينافي دلالة العرف- كأَنْ يصرح المتعاقدان بخلاف العرف- قُدِّم صريح القول (2).
= المفتي 176، فتاوى ورسائل 13، 78، 9/ 80، الفتاوى الكبرى الفقهية 3/ 290، 293، 314، 315، المجموع 1/ 82 قواعد المقري مخطوط لوحة رقم 69، شرح تنقيح الفصول 211، فتح الباري 4/ 406، الفواكه العديدة 1/ 465، 499، القواعد والأصول الجامعة 110 الفروق 1/ 53، 171، 173، 186، 4/ 57، الكشاف 4/ 369، 5/ 38، 6/ 304، رفع الحرج للباحسين 366.
(1)
مختصر الفتاوى المصرية 391، وفي المعنى نفسه مجموع الفتاوى 31/ 49.
(2)
قواعد الأحكام 2/ 186، الكشاف 3/ 476.
وإذا كان العرف متواترًا ظاهرًا للقاضي وللمترافعين، أَوْ أقر الخصم القائم ضده بدلالته أَخَذ القاضي بذلك، وإلَّا رجع في تفسيره إلى أهل الخبرة بالعرف اللفظي.
ومن أمثلة الرجوع إلى أهل الخبرة في تفسير الأقوال عند خفائها: قصةُ هجاء الحطيئة (ت: حوالي 45 هـ) للزبرقان بن بدر (ت: حوالي 45 هـ)، والتي رجع عمر- رضي الله عنه في تفسير بعض دلالاتها إلى حسان بن ثابت، ولبيد بن ربيعة.
وتفصيل ذلك: أَنَّ الحطيئة لما هجا الزبرقان بن بدر في قصيدته التي منها قوله:
دَعْ المكارم لاترحلْ لبغيتها
…
واقعدْ فإنَّك أنت الطاعمُ الكاسي
فقام الزبرقان فشكى الحطيئة إلى عمر- رضي الله عنه، فقال عمر- رضي الله عنه: ما أسمع هجاءً ولكنها معاتبة جميلة، فقال عمر- رضي الله عنه: عليَّ بحسَّان، فجيء به، فسأله، فقال: لمْ يهجه ولكن سَلَح عليه، ويقال: إنَّه سأل لبيدًا عن ذلك، فقال: ما يسرني أَنَّه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَم، فأمر عمر- رضي الله عنه به، فجُعِل في نقير في بئر (1).
(1) أخبار المدينة النبوية 3/ 1، 3، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 5/ 308، بهجة المجالس 1/ 107، الشعر والشعراء 1/ 287، تخريج الدلالات السمعية 314، الفروع 6/ 111.
وهذا ظاهر في رجوع القاضي لأهل الخبرة لمعرفة الدلالات العرفية للألفاظ والأساليب الكلامية فصيحة أَوْ عامية، وأَنَّه يُرجع إلى أهل كلِّ فنٍّ في تخصصهم؛ فقد رجع عمر- رضي الله عنه في تفسير الشعر وبيانه إلى فحول الشعراء مع مكانته في فهم اللسان العربي ودلالته؛ وما ذاك إلَّا لأَنَّ لكل أَصْحَاب فنٍّ مصطلحهم في فحوى الخطاب، وأَنَّه قد يكون عند الشاعر من لحن القول ما يتشفى به ممن يريد هجاءه معزِّضًا به في أمر قبيح لا يدركه إلَّا أهل الشعر مثلهم.
* * *