الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طريقة تقرير التَّوْصِيف القضائي
إنَّ القاضي بعد أَنْ يسمع الدعوى، والإجابة، ودفوع الطرفين، ويحدد الأوصاف المؤثرة ابتداءً، وينقحها باستبعاد طرديّها وإبقاء مؤثرها، ويوصف الواقعة توصيفًا أوليًا، ويحدد ما اتفق عليه الخصمان، وما اختلفا فيه، ويسمع البينة من شهادة ونكول وغيرها طبق الأصول المقررة - فإنَّه يقوم بدراسة ذلك جميعه، ويمحص البينة مُطّرحًا ما لا يوصل منها، ومبقيًا ما يوصل منها كدليل مستقل أَوْ قرينة قوية في جانب أحد الخصمين، ويقرر ويستنبط الأوصاف المؤثرة من الوقائع والبينات مراعيًا أصول تفسير الوقائع التي سلفت ومؤثر الأوصاف، ومستبعدًا وملغيًّا طرديّها، مستعينًا بتحليل الحكم الكلي إلى المُعَرِّفَات والحكم مقابلًا بين المُعَرِّفَات وبين الوقائع وصفًا وصفًا، وذلك بعد بيانهما وتفسيرهما بالطرق والأصول المقررة المارّ ذكرها، ومراعيًا لذلك أصول التَّوْصِيف السالفة، والقاضي بهذه الخطوات يُعِدُّ الواقعة ويُهَيِّئُها للتَوْصِيف.
وبعد تهيئة الواقعة منقحة مفسَّرة في صياغة واضحة كأَنَّه لم يذكر فيها سوى الأوصاف والوقائع المؤثرة مهذبة مرتبة فإنَّ القاضي يُجْرِي التَّوْصِيف بواسطة القياس القضائي؛ مقدمته الكبرى: الحكم الكلي الفقهي مبينًا مفسرًا، ومقدمته الصغرى: الوقائع القضائية المنقحة
المفسرة مهذبة مرتبة مهيئة للتَوْصِيف، فإذا تطابقت المقدمتان في حدَّهما الأوسط، وهو الأوصاف المشتركة المؤثرة في الحكم، صارت النتيجة: اتصاف الوقائع بالحكم الكلي الفقهي، وهذا هو المطلوب (1).
وقد سبقت عدة أمثلة لذلك في طرق التَّوْصِيف بالقياس القضائي (2).
ومما تجدر الإشارة إليه أَنَّه وإن كان لا بُدَّ للفصل في الواقعة من التَّوْصِيف القضائي على نحو ما شرحنا إلَّا أَنَّ القاضي أحيانًا يصرح بنتيجته، فيقول: هذه الواقعة من قبيل الجعالة أَوْ الإجارة، أَوْ يقول بأن حقيقة العقد بين الطرفين رهنٌ لا بيعٌ، أَوْ أَنَّ الضمان المتنازع فيه من قبيل ضمان ما لم يجب لا من قبيل ضمان الواجب، ولكن القاضي في الغالب يقرر انطباق النَّصّ الشرعي الذي حدده على الواقعة من غير تصريح بتَوْصِيف الواقعة ببيان حقيقة العقد أَوْ التعامل مكتفيًا بتسبيب الحكم؛ وسبب ذلك: ظهور التَّوْصِيف من النَّصّ المستدَلّ به من الكتاب والسنة، أَوْ كلام أهل العلم من غير تصريح بصفته.
فيجب التصريح بالتَّوْصِيف عند الخفاء أَوْ اللبس، ولا يجب إذا انتفى ذلك وظهر التَّوْصِيف من تسبيب الحكم.
* * *
(1) مزيل الملام 114، 118، تهذيب الفروق 4/ 97، درر الحكام لحيدر 566، 567، 570، 602، شرح عماد الرضا 1/ 59، وانظر ما سبق من مباحث هذا الكتاب في الواقعة القضائية المؤثرة وتنقيحها، وأصول التَّوْصِيف وطرقه، وتفسير الأحكام والوقائع.
(2)
انظر ذلك في المطلب الأول من المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الثالث.