الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
الاعتداد بتَوْصِيف القاضي لا غيره
إنَّ على القاضي بعد تهيؤ الواقعة للتَّوْصِيف أَنْ يتخذ قراره بتَوْصِيف الواقعة، ويَعْتَدَّ بما يقرره القاضي من تَوْصِيف للواقعة، ولا يَعْتَدَّ بأيّ تَوْصِيف خالف توصيفه من خصم أَوْ شاهد.
إنَّ الخصم المدعي غالبًا ما يبدي توصيفًا للواقعة، ويتمسك به، وقد يوافقه المدعى عليه أَوْ يعارضه بتَوْصِيف آخر.
ولكن المعتدَّ به ما يقرره القاضي من تَوْصِيف للواقعة لا يعارضه تَوْصِيف الخصوم، بل لا يُعْتَدّ بتَوْصِيف الخصم المخالف لتَوْصِيف القاضي، فعلى القاضي إجراء التَّوْصِيف سواء وافق تَوْصِيف الخصم أَمْ خالفه؛ لأَنَّ الخصم ربما أخطأ في التَّوْصِيف، أَوْ صَرَفَه لصالحه فلا بُدَّ من هيمنة القاضي على ذلك جميعه، ولذا نجد أَنَّ الفقهاء يقولون: إنَّ العبرة بحكم الحاكم ولو خالف اجتهاد الخصم (1)، ويقولون: إنَّ ترتيب الحكم على أسبابه وشروطه عند
(1) البحر الرائق 7/ 16، حاشية ابن عابدين 4/ 334، مواهب الجليل 6/ 139، الروضة 11/ 153، الهداية لأبي الخطاب 2/ 130، شرح المنتهى 3/ 501، الفروع 6/ 490.
انتفاء الموانع مهمة القاضي لا الشاهد (1).
بَقِيَ أَنْ نشير أَنَّ القاضي لو اعتمد توصيفًا للواقعة بناءً على البينات، وكان باطن ذلك عند الخصم بخلافه، فلا يحلّ الحق باطنًا للخصم بذلك، وهذا باتفاق الفقهاء في الأموال الظاهرة والأملاك المرسلة التي لم يذكر سبب تملكها، والغصوب والجنايات ونحوها (2).
وأَمَّا النكاح والطلاق وسائر ما للقاضي إنشاؤه من العقود والفسوخ فذهب الجمهور من العلماء ومنهم محمد من الحنفية (ت: 189 هـ)، ومالك (ت: 179 هـ)، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، إلى أَنَّ الحكم ينفذ ظاهرًا لا باطنًا؛ فلا تصير المرأة في الباطن زوجة ولا مطلقة بشهادة الزور وإن حكم بذلك ظاهرًا (3).
ويَقْوَى عندي أَنْ يقال: ينفذ الحكم في هذه الصورة ظاهرًا وباطنًا في حق المقضي عليه؛ لأَنَّه لا اختيار له في نفوذه، ولا ينفذ باطنًا في حق المقضي له؛ لعلمه بحقيقة الحال، والقدرة على الامتناع عن التنفيذ؛ لأَنَّ الأحكام تتجزأ بحسب أسبابها كما سبق بيانه، والاستدلال له (4).
(1) أدب القضاء 385، 395، 396.
(2)
الاستذكار 22/ 16، بدائع الصنائع 7/ 15، بداية المجتهد 2/ 461، شرح السنة للبغوي 10/ 113، مطالب أولي النهى 6/ 533، وسائل الإِثبات للزحيلي 722.
(3)
بداية المجتهد 2/ 461، مغني المحتاج 397، المغني 11/ 407، المراجع السابقة.
(4)
انظر: المطلب الثاني من المبحث الثالث من الفصل الأول من الباب الثالث.