الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني أقسام الوقائع بعامة
الوقائع بعامة ثلاثة أقسام، هي: فقهية، وفَتْويَة، وقضائية، وبيانها كما يلي:
القسم الأول: الواقعة الفقهية
.
والمراد بها: الحدث والحال الذي يستدعي حكمًا فقهيًّا كليًّا.
فالواقعة الفقهية: ما استدعى من الأحداث والأحوال حكمًا كليًّا عامًا لا يخص واقعة بعينها، وذلك كتقرير الفقهاء الأحكام الفقهية الجزئية العامة التي لا تخص فردًا دون غيره، كما هو دأب المصنِّف والمعلِّم، وكما لو حدثت نازلة فقهية معاصرة، مثل: التعاقد بوسائل الاتصال المعاصرة، كالهاتف، فإنَّه يقرر لها حكم كلي عام بالجواز، أَوْ المنع، أَوْ الصِّحَّة، أَوْ البطلان غير منظور فيه لآحاد الأشخاص، بل تكون عامة مجردة (1)، يقول السبكي
(1) البهجة 1/ 36، شرح عماد الرضا 1/ 59، المدخل للزرقاء 3/ 88.
(ت: 756 هـ): "
…
معرفة الفقه في نفسه
…
أمرٌ كلي؛ لأَنَّ صاحبه ينظر في أمور كلية
…
كما هو دأب المصنفين، والمعلمين، والمتعلمين
…
والفقيه المطلق المصنف المعلم لا يقول في هذه الواقعة، بل في الواقعة الفلانية" (1).
ويغلب إطلاق النوازل الفقهية على ما يجدُّ من الوقائع التي تستدعي حكمًا، كالتعاقد بالهاتف، ونحو ذلك من النوازل الفقهية المعاصرة.
وجميع الوقائع من الأحداث والأحوال التي تتعلق بالمكلف لها حكم تكليفي من وجوب، أَوْ حرمة، أَوْ استحباب، أَوْ كراهة، أَوْ إباحة، أَوْ صِحَّة، أَوْ بطلان، سواء كان ذلك في العبادات، أَمْ في المعاملات، من بيوع وإجارة، وسير أَوْ مرور، وعلاقة العامل برب العمل وعكسه، أَمْ الأنكحة، أَمْ الجنايات، أَمْ سلوك الإِنسان الفردي، أَمْ علاقة الفرد بالدولة، أَمْ علاقتها به، أَمْ علاقة الدولة المسلمة بغيرها من الأمم الأجنبية، ولذلك نقول: كل الأحداث والأحوال وقائع فقهية.
يقول الشاطبي (ت: 790 هـ): "فلا عمل يفرض، ولا حركة، ولا سكون يُدّعَى إلَّا والشريعة عليه حاكمة، إفرادًا وتركيبًا"(2)، وإذا كان بعض جوانب الواقعة طرديًا كان جانب منها آخر وصفًا مؤثرًا،
(1) فتاوى السبكي 2/ 122، وانظر: شرح عماد الرضا 1/ 59.
(2)
الموافقات 1/ 78.
وبهذا نفهم ما ذكره القرافي (ت: 684 هـ) -وهو يتحدث عن بعض أقسام الأسباب-، فقد قال:"وما ليس فيه حكم شرعي البتة، كفعل النائم والساهي، والمخطئ، والمجنون، والبهيمة، وحركات الرياح، والسُّحُب، والسيول، ونحو ذلك، فإنَّ هذه الأفعال ليس لله فيها حكم، ولا تعلق بها خطاب يقتضي حكمًا البتة"(1).
فالمراد أَنَّ هذه الأشياء ليس لها حكم في نفسها، ففعل النائم، والساهي والمخطئ، والمجنونِ لا يوصف بوجوب، ولا حرمة، فهو غير آثم فيه، ولا مجازى عليه، وهكذا فعل البهيمة؛ لأَنَّها غير مكلفة، وحركات الرياح، والسحب، والسيول؛ لأَنَّها من فعل الله لا من فعل العبد، والأحكام كائنة على أفعال العباد، لكن لجميع هذه تَعَلُّقٌ بالوقائع الفقهية في جانب تأثيرها على الأحكام؛ فالنائم، والساهي، والمخطئ، والمجنون يضمنون ما أتلفوه من مال الغير، وفي التنزيل وجوب الدية وكفارة القتل على المخطئ قال -تعالى-:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92].
(1) الإِحكام 23.