الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المراد بتفسير الواقعة القضائية:
سبق المراد بلفظ "التفسير" لغة: وأَنَّه الكشف، والبيان، والإِيضاح (1).
والمراد بتفسير الواقعة القضائية هنا: بيان معاني ودلالات الأقوال والأفعال والسكوت والأحوال الواقعة في التصرفات والواردة في الدعوى والإِجابة، وطرق الحكم والإِثبات من الشهادة ونحوها من الأوصاف والوقائع المؤثرة في الحكم القضائي.
أهمية تفسير الواقعة القضائية ومشروعيته:
لا بُدَّ لكل واقعة قضائية من تصورها، وتنقيحها، وبيان تأثيرها، وثبوتها بطرق الحكم، وبيان وجه الدلالة منها، وانتفاء معارضها، وكل ذلك لا يتحقق إلَّا بعد تفسيرها، وفهمها بالطرق المقررة (2).
وما ذلك إلَّا لأَنَّه كما يقول القرطبي (ت: 671 هـ): "الأحكام
(1) انظر: المبحث الأول من الفصل الخامس من الباب الأول.
(2)
فتاوى السبكي 2/ 122 - 123، شرح عماد الرضا 1/ 59.
تختلف باختلاف العبارات، والدعاوى، والإِقرارات، والشهادات، والشروط التي تتضمن حقوق المحكوم له" (1).
والمكلف وهو يتكلم بأمر، أَوْ نهي، أَوْ إقرار، أَوْ عقد قد يُطْلِق الكلام ولا يقيده أَوْ يفسره، بل إنَّ تقييده أحيانًا يُعَدُّ إعياءً في الكلام، فيتعين على من يُنَفِّذ كلامه أَوْ يُحاكمه فيه أن يَحْمله على وجوه تفسير الكلام المقررة، يقول ابن مفلح (ت: 763 هـ): "ومن قصد بيان تعليق الحكم بالوصف رتَّبه عليه، ولم يتعرض لجميع شروطه وموانعه (2)؛ لأَنَّه عَسِر؛ إذ القصد بيان اقتضاء السبب للحكم، فلو قال: اعط هذا للفقراء أَوْ نحوهم استَأْذَنَه في عدوه وفاسق، ولو قال: إلَّا أَنْ يكون أحدهم كذا وكذا عُدَّ لُكْنة وعِيًّا
…
وكذا قول الطبيب: اشربه للإِسهال، فعرض له ضعف شديد أَوْ إسهال، ذكر ذلك شيخنا -يعني ابن تَيْمِيّةَ-" (3).
ففهم الواقعة وتفسيرها أمر لا بُدَّ منه للحكم القضائي، وقد أثنى الله-عز وجل على سليمان عليه السلام لفهمه الواقعة ووجه الحكم فيها، كما في قوله -تعالى-:{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79،78].
(1) تفسير القرطبي 15/ 180.
(2)
في الأصل: (مواثقه)، والتصويب اقتضاه السياق.
(3)
الفروع 4/ 376.
فثناء الله- عز وجل على سليمان عليه السلام لفهمه الواقعة ووجه الحكم فيها (1) يؤكد أهمية تفسير الواقعة وتصورها لتوصيفها والحكم فيها.
كما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد رضي الله عنه قتله لبعض بني جذيمة؛ لعدم استفساره لهم عن مرادهم من كلمة مشكلة أطلقوها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنه أَنَّه قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أَنْ يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر
…
فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللَّهُمَّ إنِّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، مرتين" (2)، فقد حمل خالد رضي الله عنه معنى قولهم: "صبأنا" على خروجهم من دين إلى دين غير الإِسلام، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه الأخذ بهذا الظاهر قبل الاستفسار عن المراد به (3)؛ قال ابن حجر (ت: 852 هـ): "قوله: "اللَّهُمَّ إنِّي أبرأ إليك مما صنع خالد" يعني مِن قتلِه الذين قالوا: "صبأنا"ـ قبل أَنْ يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول" (4)، فدَلَّ على أَنّه لا بُدَّ من تفسير الواقعة
(1) أحكام القرآن لابن العربي 3/ 270، تبصرة الحكام 1/ 2.
(2)
رواه البخاري (الفتح 8/ 56، 13/ 181)، وهو برقم 4339، ورقم 7189.
(3)
فتح الباري 8/ 56، 13/ 181.
(4)
المرجع السابق 13/ 182، وانظر مزيدًا من الأدلة والأمثلة في: إعلام الموقعين 1/ 350 وما بعدها.
وفهمها قبل توصيفها والحكم فيها.
وقد أوصى عمر رضي الله عنه القضاة بفهم الواقعة وتفسيرها في كتابه الذي بعثه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه؛ فقال: "فافهم إذا أدلي إليك"(1)، وقال:"الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك"(2).
فلا بُدَّ لفهم الواقعة وتصورها من تفسيرها، فالمطلوب من الحاكم كما يقول ابن القَيِّمِ (ت: 751 هـ): "أَنْ يعلم ما يقع، ثم يحكم فيه بما يجب"(3).
وقد ذكر الفقهاء جملة من الآداب للقاضي تعود لفهم الواقعة، وتصورها، وتفسيرها، من ذلك: كون القاضي عارفًا بلغة ولهجات البلد التي يلي الحكم فيها (4)، يقول ابن المناصف (ت: 620 هـ) - في شروط الكمال الذي القاضي-: "أَنْ يكون عارفًا بما لا بُدَّ منه من العربية، واختلاف المعاني للعبارات فإنَّ الأحكام تختلف
(1) رواه الدارقطني في سننه 2/ 111 وهو رقم 4426، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 150، وصححه الألباني في الإرواء 8/ 241، وهو قطعة من خطاب عمر رضي الله عنه الموجه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه والذي رواه أبو المليح الهذلي، وقوى الشيخ أحمد شاكر إسناده عن سفيان بن عيينة عن إدريس [انظر: تعليق أحمد شاكر على المحلى لابن حزم 1/ 60].
(2)
المصادر نفسها في الهامش السابق.
(3)
إعلام الموقعين 1/ 105.
(4)
شرح المنتهى 3/ 468، المجموع 1/ 82.
باختلاف العبارات في نحو الإقرار والدعوى والشهادات
…
" (1).
وقد تواطأت كلمات العلماء التي تؤكد مكانة فهم الواقعة القضائية، وتفسيرها في تنزيل الحكم الكلي عليها، ومن ذلك ما يلي:
1 -
يقول أبو المعالي الجويني (ت: 478 هـ): "ولا بُدَّ من أَنْ يفهم- يعني القاضي- الواقعة المرفوعة إليه على حقيقتها، ويتفطن لموقع الإعضال، وموضع السؤال، ومحل الإشكال منها
…
فأَمَّا إذا لم يفهم الواقعة فكيف يفرض نفوذ حكمه فيها، وليس في عالم الله أخزى من مُتَصَدٍّ للحكم لو أراد أَنْ يصف ما حكم به لم يستطعه
…
ومما يقضي اللبيب العجب فيه انتصاب غِرٍّ للقضاء، لا يقف على الواقعة التي فيها القضية، ولا يفهم العربية، ويصغي إلى صكوك وقَبَالات (2)، متضمنها ألفاظ عويصة، لا يحيط بفحواها ومقتضاها إلَّا مبرز تثني عليه الخناصر، ويُعَدُّ من المرموقين والأكابر في اللغة؛ إذ منها صدر الألفاظ في أصول الفقه المشتمل على الخصوص، والعموم، والاستثناءات، وسائر القضايا والموجبات في فن الفقه، فإليه الرجوع في مآخذ الأحكام، والنقض، والإبرام" (3).
(1) تنبيه الحكام 34.
(2)
قال في المصباح المنير 2/ 489: القَبالة- بالفتح- اسم المكتوب من ذلك لما يلتزمه الإنسان من عمل ودين وغير ذلك.
(3)
الغياثي 300، 302.
2 -
ويقول ابن القَيِّمِ: "ليس للمفتي أَنْ يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلَّا إذا علم أَنَّ السائل إنَّما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل استفصله، كما استفصل النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا لما أقرّ بالزنا، وهل وجد منه مقدماته أَوْ حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر، أَمْ هو عاقل؟ فلما علم عقله استفصله بأَنْ أَمَرَ باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أَمْ صاحٍ؟ فلما علم أَنَّه صاحٍ استفصله: هل أحصن أَمْ لا؟ فلما علم أَنه أحصن أقام الحد عليه
…
والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملًا
…
فكثيرًا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدًّا" (1).
3 -
ويقول ابن القَيِّمِ- أيضًا-: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلَّا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على
(1) إعلام الموقعين 4/ 187، 192، وقصة ماعز التي أشار إليها المؤلف قد أخرجها البخاري (الفتح 13/ 135، 136)، وهو برقم 6824، 6825، ومسلم 3/ 1321، وهو برقم 1695/ 22.
الآخر" (1).
4 -
ويقول ابن خلدون (ت: 808 هـ): "إذا لم يتبين له القضاء، فإنَّ كان لغبش (2) في الواقعة استوضحها واستجلاها بالبحث الشافي"(3).
ويقول في موضع آخر: "إذا تصور الواقعة كالشمس ليس دونها سحاب
…
فإذا وضحت له القضية جيدًا فحينئذٍ يستحضر قول الله العلي العظيم: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48](4).
قال الفقهاء: لا يجوز إطلاق الفتيا في اسم مشترك إجماعًا، بل عليه التفصيل، ومَثَّلُوا له بأَنَّ المفتي إذا سئل عن جواز الأكل بعد طلوع الفجر، فلا بُدَّ أَنْ يقول: أَبَعْدَ الفجر الأول أَمْ الثاني (5)؟
أقول: وهكذا الحكم.
فهذا كله يؤكد مكانة تفسير الواقعة في التصرف والدعوى من كلام الخصوم ودفوعهم وبيناتهم حتي يتم تهيئتها للتَّوْصِيف.
(1) إعلام الموقعين 1/ 78، 88، وأعاد معنى ذلك في عدد من كتبه، انظر: الطرق الحكمية 4، 5، وبدائع الفوائد 3/ 117، وإعلام الموقعين 4/ 204.
(2)
الغبش: شدة الظلمة [مقاييس اللغة 4/ 409]، والمراد هنا: عدم وضوح الواقعة وغموضها وحاجتها إلى البيان والتفسير.
(3)
مزيل الملام 118.
(4)
المرجع السابق 113.
(5)
الفروع 6/ 435، شرح الكوكب المنير 4/ 594، الكشاف 6/ 304، شرح المنتهى 3/ 458.