الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس أثر الأسباب والدوافع في تفسير الوقائع لفظًا أوْ فعلًا أوْ سكوتًا
المراد بالأسباب والدوافع هنا: الباعث الذي حمل المتكلم أَوْ المتعاقد، أَوْ الفاعل إلى ما قام به من ذلك الأمر (1).
فهي ملحوظة في بيان المجمل، وتأويل الظاهر، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وإبطال العقد وتَصْحِيحه، ونحو ذلك.
فالأسباب المهيجة للفعل أَوْ القول أَوْ السكوت، والدواعي أَوْ القصود الحاملة عليه ملحوظة في بيانه، أَوْ صحته وبطلانه.
فمن أوقف وقفًا، واحتمل لفظه في مصرفه شيئين حُمِل على ما هو أقرب إلى قصد المكلف وعرفه.
ومن وهبت لزوجها مالًا بطلبه، ثم طلقها أَوْ تزوج عليها كان لها الرجوع في هبتها؛ لأَنَّها إنَّما فعلت ذلك تودّدًا واستدامة للنكاح.
ومن طلق امرأته في مرض موته المخوف لم يمنعها ذلك من الإِرث ما لم تتزوج بعد انتهاء عدتها قبل موته.
ومن طلق امرأته بناءً على ما نقل عنها كذبًا من السوء، ثم ظهر له براءتها من ذلك لم يقع هذا الطلاق.
(1) القواعد والأصول الجامعة 102.
ومن عقد على امرأة ليحلها لغيره كان النكاح باطلًا، فلا تحل لناكحها ولا لمطلقها- العائدة إليه- بهذا النكاح.
ومن سكت عن المطالبة بحق، أَوْ عَقَدَ عَقْدَ إلجاءٍ حمله عليه حامل من خوف سلطان ظالم، أَوْ غرض آخر لم يلزم، ويعمل بالقرينة في ذلك.
ومن تزوج امرأة بعد طلاق امرأة قبلها، فكتب لزوجته الجديدة وكالة بأَنَّه متى ردّ زوجته السابقة فلها طلاقها إلى عشرين سنة، ثم طلق الثانية بطلت الوكالة، وهكذا من أكره على إقرار أَوْ عقد لم يلزمه ذلك.
فالقصد روح العقد، ومُصَحِّحُه، ومبطله، ومبينه، ومفسره (1).
(1) القواعد لابن رجب 278، 321، جامع العلوم والحكم 18، 19، مجموع الفتاوى 20/ 378، 32/ 146، 29/ 136، 332، حاشية العنقري على الروض 2/ 475، منار السبيل 2/ 239، القواعد والأصول الجامعة 72، 102، الفتاوى الكبرى 3/ 125، 131، الاختيارات 143، الفتاوى الكبرى الفقهية 3/ 208 إعلام الموقعين 3/ 94، 95، 96، 98، 109، 111، 121، أحكام أهل الذمة 1/ 308، الموافقات 2/ 327، شرح المنتهى 2/ 351، 518، 3/ 430، 432 الكشاف 6/ 248، فتاوى ورسائل 11/ 110، الفواكه العديدة 2/ 25، الأحكام للقرافي 118، نشر العرف 144، مجلة الأحكام الشرعية 321، نظرية التعسف 207، النظرية العامة للموجبات والعقود 2/ 345، 349، 350، السبب عند الأصوليين 3/ 242.
ويَدُلُّ على ذلك آيات بينات (1)؛ منها قوله- تعالى-: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، وقوله:{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231، ، ففي ذلك بيان بأَنَّ الرجعة لمن قصد الصلاح دون الضرار.
ومنها قوله- تعالى-: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12]، فإنَّ الله- سبحانه وتعالى إنَّما قَدَّم على الميراث وصية من لم يضار الورثة بها، فإذا وصى ضرارًا كان ذلك حرامًا، وكان للورثة إبطالها، وحرم على الموصى له أخذها بدون رضاهم (2).
كما يَدُلُّ له من السنة أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"(3).
وعلى تقرير هذه الحقيقة- أعني لحظ الأسباب والدواعي والقصود في تفسير الوقائع- تتابع الفقهاء والباحثون، أذكر لك طرفًا من أقوالهم:
(1) الفتاوى الكبرى 3/ 125، إعلام الموقعين 3/ 96، 98، الموافقات 2/ 324.
(2)
إعلام الموقعين 3/ 111، الفتاوى الكبرى 3/ 126، شرح المنتهى 3/ 183.
(3)
متفق عليه، فقد رواه البخاري (الفتح 1/ 9)، وهو برقم 1، كما رواه مسلم 3/ 1515، وهو برقم 1907.
يقول ابن تَيْمِيَّهَ (ت: 728 هـ): "إنَّ المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات، كما هي معتبرة في القربات والعبادات، فيجعل الشيء حلالًا، أَوْ حرامًا، أَوْ صَحِيحًا، أَوْ فاسدًا، أَوْ صَحِيحًا من وجه، فاسدًا من وجه، كما أَنَّ القصد في العبادة يجعلها واجبة، أَوْ مستحبة، أَوْ محرمة، أَوْ صَحِيحة، أَوْ فاسدة"(1).
ويقول ابن القَيِّمِ (ت: 751 هـ): "القصد روح العقد، ومُصَحِّحُه، ومبطله"(2).
ويقول ابن رجب (ت: 795 هـ): "تعتبر الأسباب في عقود التملكات، كما تعتبر في الأيمان"(3).
ويقول ابن حجر- صاحب الفتح- (ت: 852 هـ): "قال ابن المنير: إنَّ المقاصد تعتبر بأدلتها كيفما كانت الأدلةُ لفظيةً أَوْ غيرَ لفظية بأيّ لغة كانت"(4).
ويقول ابن عطوة (ت: 948 هـ): "والقصود (5) في العقود معتبرة، فإياك أَنْ تهمل قصد المتكلم، ونيته، وعُرْفه، فتجني عليه
(1) الفتاوى الكبرى 3/ 125.
(2)
إعلام الموقعين 3/ 94.
(3)
القواعد 321.
(4)
فتح الباري 6/ 274.
(5)
في الأصل: "والمقصود"، والتَّصْحِيح اقتضاه السياق.
وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، فتلزم العاقد ما لم يلزمه الله ورسوله" (1).
ويقول ابن النجار (ت: 972 هـ): "والعبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ"(2).
ويقول ابن حجر المكي (ت: 974 هـ): "لا نبني عبارة الواقفين على الدقائق الأصولية، والفقهية، والعربية
…
وإنَّما نبنيها على ما يتبادر ويفهم من العرف، وعلى ما هو أقرب إلى مقاصد الواقفين وعاداتهم" (3).
ويقول ابن سعدي (ت: 1376 هـ): "الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات معتبرة
…
ومن هذا إقرارات الناس ينظر فيها إلى الحامل لهم، وإلى ما اقترن بذلك من الأحوال لا إلى مجرد اللفظ" (4).
وقال- أيضًا-: "
…
فكذلك نعتبر القرائن، ومقتضى الأحوال، وما يحتفّ بالكلام من الأسباب المهيجة والغايات المقصودة" (5).
(1) الفواكه العديدة 2/ 33.
(2)
منتهى الإِرادات 5/ 227.
(3)
الفتاوى الكبرى الفقهية 3/ 208.
(4)
القواعد والأصول الجامعة 102، 103.
(5)
المرجع السابق نفسه ص 72.
وسئل شيخ مشايخنا الشيخ الإِمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: 1389 هـ) عَمَّن سمع عن زوجته نبأً فغضب وطلقها بالثلاث، ثم تبين أَنَّ النبأ كان مكذوبًا، فأجاب بقوله:"إذا كان الحال ما ذكر، وأَنَّك لم تطلقها إلَّا بناءً على هذا النبأ المكذوب، فالصَّحِيح من أقوال العلماء أَنَّ الطلاق لا يقع؛ لاعتبار القصود في العقود، وعلى هذا فالطلاق لاغٍ، والمرأة حلالٌ لك بالعقد الأول، فلا يحتاج إلى مراجعة ولا عقد جديد"(1).
ويقول المحمصاني (معاصر): "كذلك ينظر للغرض - أيضًا- لتفسير العقد ولتحديد مداه، مثاله: أَنْ ينظر إلى غرض الاشتراء عند تعيين توابع المبيع في عقد البيع وإن لم تذكر هذه التوابع صراحة في العقد"(2).
وإعمال الأسباب والدواعي والقصود لا يُعْتَدُّ به في كل الصور والأحوال، بل يعمل بالقرائن والدلائل الحالية في الأخذ بها أَوْ إهدارها، فمن اشترى بيتًا للسكنى، لكن عرض له عارض في نفسه يمنعه من سكناه فليس له فسخ العقد بحجة أنَّه قصد من شرائه السكنى وقد عرض له عارض منعه منه ولو علم الطرف الآخر بهذا السبب والداعي ما لم يكن ثَمَّ شرط خيار.
(1) فتاوى ورسائل 11/ 110.
(2)
النظرية العامة للموجبات والعقود 2/ 350.
وقد اعترض فريق من الفقهاء على اعتبار السبب والداعي وقرروا: أَنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما في كلام الشارع.
ورُدّ عليهم بأَنَّ الفرق بينهما ظاهر؛ لأَنَّ كلام الشارع لبيان الأحكام، فلا يختص بمحل السبب، فالحاجة داعية إلى معرفة الحكم في غير السبب، وكلام المكلف بخلاف ذلك (1)، وهو رَدٌّ ظاهر القوة.
وفي بعض الصور التي مثلنا بها خلاف يرجع إليه في مظانه؛ إذ القصد من الأمثلة تقرير هذه الحقيقة وأثرها في تفسير الوقائع، لا بيان حكم هذه الصور.
وبهذا يظهر لنا أَنَّ البواعث والقصود ملحوظة في تفسير الوقائع متى قامت الأدلة والقرائن الدالة على تلك القصود والبواعث.
* * *
(1) السبب عند الأصوليين 3/ 242، 247.
تنبيه: كما يجب مراعاة الأسباب والدواعي والقصود، كما فُصِّل في هذا المطلب؛ فإنه يجمع بين اللفظ والمبنى، وبين الحقيقة والمعنى في كلام المكلف عند ظهوره كما سبق بيانه في في الفقرة الخامسة من المطلب الثالث من المبحث الأول من الفصل الثالث من الباب الثاني.