الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضَوَابِط تَوْصِيف الأَقْضِيَة:
للتَّوْصِيف الْقَضَائِي ضوابط تجب مراعاتها، وهي:
1 -
أَنْ يكون الحكم الكلي الفقهي الموصّف به مبنيًّا على أصل شرعي: فالعلم بالحق مقدمة للحكم به، والقاضي لا يستطيع أَنْ يحكم فيما يقع إلَّا بعد العلم بما يجب، فعلى القاضي إذا أراد تَوْصِيف الواقعة تحديدُ الحكم الكلي الفقهي الملاقي لها بالاجتهاد بناء على أصوله الشرعية من الكتاب والسنة والإِجماع وغيرها من أدلة شرعية الأحكام، أَوْ باتباع عالم سبق أَنْ قرر حكم المسألة بدليلها، أَوْ بالتقليد (1)، جاء في الاختيارات:"ويجب أَنْ يَنْصِب - يعني القاضي- على الحكم دليلًا، وأدلة الأحكام من الكتاب، والسنة، والإِجماع، وما تكلم الصَّحَابَة والعلماء به إلى اليوم"(2).
فإذا حدد القاضي الحكم الكلي المبني على أصوله فقد حقق ضابطًا من ضوابط التَّوْصِيف.
وعلى القاضي عند تَوْصِيف الواقعة تحديد الحكم الكلي
(1) إعلام الموقعين 4/ 173، الثبات والشمول 265، تخريج الفروع على الأصول لشوشان 1/ 511، وانظر: الفصل الرابع من الباب الأول.
(2)
ص 333، ومعنى قوله:"إلى اليوم" يعني زمن ابن تَيْمِيَّة المتوفى عام (728 هـ). اهـ، ولا يعني ذلك عدم الإفادة ممن جاءوا بعده.
الملاقي لها بالرجوع إلى نَصِّه، والتحققِ من الشروط والأوصاف المقتضية له من مظانها، ولا يكتفي القاضي بحفظه للنَّصِّ؛ لأَنَّه ربما فاته قيد أَوْ وصف مؤثر.
2 -
أَنْ يكون الحكم الكلي مفسرًا:
إذا كان الحكم الكلي قد ورد في عبارات تحتاج إلى تفسير وبيان فلا بُدَّ من تفسيره قبل التَّوْصِيف به سواء أكان نَصُّ الحكم من كتاب أَمْ من سنة أَمْ من كلام أهل العلم، فإنَّه لا يكفي في الحكم الكلي تقريره، بل لا بُدَّ من بيانه وتفسيره حتى يكون عند التَّوْصِيف مفهومًا ظاهر المعنى.
ولا بُدَّ عند التفسير من الاعتماد على طرق تفسير الحكم المقررة، وسبق بيانٌ مفصَّلٌ لذلك (1).
3 -
أَنْ تكون الواقعة القضائية مؤثرة في الحكم القضائي:
إنَّ الواقعة القضائية هي محل التَّوْصيف، فلا بُدَّ أَنْ تكون مؤثرة في موضوع النزاع، فإذا لم تكن مؤثرة مطلقًا، أَوْ كانت مؤثرة ولكن لا تأثير لها في موضع النزاع فإنَّها تكون طردية غير صالحة للتوصيف (2)، وللواقعة المؤثرة
(1) انظر: الفصل الخامس من الباب الأول.
(2)
انظر: أقسام الواقعة القضائية في المبحث الثالث من الفصل الأول من الباب الثاني.
شروط مقررة سبق ذكرها (1).
4 -
ثبوت الواقعة بطرق الحكم المقررة شرعًا:
القضاء مبني على ثبوت الوقائع بطرق الحكم المقررة شرعًا من الإقرار والشهادة واليمين وغيرها مما دَلَّ على ثبوت الحق من غير حصر، ولذلك قال الفقهاء: القاضي أسير الحجج والبينات.
فليس للقاضي تَوْصِيف الأَقْضِيَة من دون نظر في ثبوتها، فبالبينة تحدد الواقعة التي ينكرها الخصم، ومنها يقرر أَوْ يستنبط القاضي الوقائع والأوصاف المؤثرة في الحكم، فالمتنازع فيه تظهره البينات وتبين أوصافه (2).
وقد سبق بيان طرق إثبات الوقائع، وضوابطها، وشروط الواقعة المثبتة -التي يراد إثباتها (3) -، واستنباط الواقعة المؤثرة، وشروطه (4)، وسيأتي بيان وظيفة الشاهد في التوصيف (5).
5 -
وضوح الواقعة وبيانها:
لا يكفي في الواقعة تأثيرها وثبوتها، بل لا بُدَّ من وضوحها
(1) انظر: المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الثاني.
(2)
قواعد الأحكام 2/ 48، 92، إعلام الموقعين 4/ 174، الإحكام للقرافي 26، الفروق 1/ 129 شرح عماد الرضا 1/ 59.
(3)
انظر ذلك في: المبحث الثالث من الفصل الثاني من الباب الثاني.
(4)
انظر ذلك في: المبحث الرابع من الفصل الثاني من الباب الثاني.
(5)
انظر: المبحث الثاني من الفصل الثاني من الباب الثالث.
وبيانها حتى تكون مفهومة للقاضي فيستطيع تنزيل الحكم الكلي عليها، فإذا كان فيها خفاء فسرها بطرق التفسير المقررة، وقد سبق بيانٌ مفصَّلٌ لتفسير الواقعة وأصوله (1).
6 -
أَنْ يكون التوصيف ملاقيًا للدعوى والطلبات المستوفية لشروط صِحَّتِها:
إنَّ القاضي يكون أمام دعوى وإجابة ودفوع وطلبات لا بُد من الفصل فيها، ولذلك فإنَّ التَّوْصيف الذي يقرره القاضي لا بُدَّ أَنْ يكون ملاقيًا للدعوى والإجابة مراعى فيه الدفوع والطلبات، لا يغفل عنها ولا يهدرها، فليس للقاضي إذا كانت الخصومة في شيء أَنْ يدعه ويقضي في غيره (2)، وهذا في جميع الحقوق الخاصة، وأَمَّا حق الله نحو الطلاق والتعزيز والحدود فلا يلزم فيه ذلك، بل يكفي فيه ملاقاته للبينات القضائية، ولذلك قال الفقهاء: تَصِحّ الشهادة بحق الله من غير تقدم دعوى؛ لأنَّ شهادة الشهود بها دعوى (3)، كما قالوا: إنَّ إقامة التعزير لا يحتاج إلى مطالبة (4).
(1) انظر: الفصل الثالث من الباب الثاني.
(2)
موجبات الأحكام 70 - 71، الفواكه البدرية 144، مغني ذوي الأفهام 223.
(3)
الكشاف 6/ 331، شرح المنتهى 3/ 481.
(4)
شرح المنتهى 3/ 361، الروض المربع 7/ 347.
وإنَّما قلنا في الدعوى والطلبات التي يشترط ملاقاة التَّوْصيف لها أَنْ تكون مستوفية لشروط صِحَّتِها إشارة إلى أَنّها إذا لم تستوف شروطها فإنَّها لا تصلح للتَّوْصِيف؛ وذلك حيث اشترط لها الدعوى، فإذا لم تَصِحّ الدعوى لم يَصِحّ التَوْصِيف؛ لأَنَّه لم يصادف محلًا صالحًا، وسواء عادت شروط الدعوى لتأثير الواقعة في الحكم القضائي (1) أَمْ عادت لشروط أخرى من التصريح بالطلب والجزم به، وكونِها عند ذي ولاية مختص بسماعها (2).
7 -
اشتراك الواقعة القضائية مع الحكم الكلي في الأوصاف المؤثرة:
إنَّ التَّوْصِيف القضائي يتم بانطباق الأوصاف المؤثرة المقررة في الحكم الكلي على الأوصاف المؤثرة المقررة في الواقعة القضائية، وبغير ذلك لا يتم التَّوْصِيف، ولذلك كان اشتراك طرفي التَوْصِيف -الحكم الكلي الفقهي والواقعة القضائية- في الأوصاف المؤثرة في الحكم أمرًا لا بُدَّ منه في تحقق التَّوْصِيف، فهو لا يتم إلَّا بذلك، وسبق بيان مفصل عن تنقيح الوقائع القضائية (3)، وصفة تقرير تَوْصِيف الواقعة القضائية (4).
(1) انظر هذه الشروط في: المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الثاني.
(2)
انظر في تفصيل شروط الدعوى كتاب: نظرية الدعوى 1/ 271 - 421.
(3)
انظر ذلك في: المبحث الثاني من الفصل الثاني من الباب الثاني.
(4)
انظر ذلك في: المبحث الأول من الفصل الثالث من الباب الثالث.
8 -
مراعاة أصول التوصيف:
التَّوْصِيف عمل قضائي لا ينظر فيه إلى الأحكام الكلية مجردةً من أحوال الوقائع وآثارها، بل نظر ذلك لا بُدَّ منه، وذلك حتى لا ينساق القاضي وراء أمر قد يظهر له من دون تبصر في آثاره، ولا نظرٍ إلى باطنه وقرائن أحواله التي تعينه في الوصول إلى الحقيقة وتنزيل الحكم الكلي على الواقعة المنظورة لديه، بل عليه مراعاة ذلك جميعه، وسيأتي تفصيل لأصول التَّوْصِيف وبيان للمراد بها وثمرتها (1).
وتقرير التَّوْصِيف له أصول ووسائل، كما أن للخصم والبينة والقاضي أثرًا فيه، وله مراحل يبدأ بها وينتهي إليها، كما أن له صلة بالتسبيب والنقض، وكل ذلك سوف يأتي بيانه في الفصول التالية إن شاء الله.
* * *
(1) انظر ذلك في: المبحث الأول من الفصل الأول من الباب الثالث.