الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مدخل
إنَّ القاضي وهو يوصف الواقعة يخطو بالتَّوْصِيف خطوات متوالية من مرحلة إلى أخرى حتى ينتهي إلى تَوْصِيف الواقعة وتقرير حكمها القضائي، كما يفعل الطبيب في فحص مريضه ووصف الدواء له، فهو يبدأ بفحص المريض، فيقوم بفحصه فحصًا ابتدائيًا بالاستماع إلى شكواه، والاستفسار عن أعراض مرضه، ثم فحصًا سريريًّا بالفحص الحسيّ على المريض، وذلك بإرشاده إلى الجلوس على السرير ووضع الطبيب يده أَوْ أصابعه على موضع الشكوى، أَوْ أيّ مكان آخر من جسم الإِنسان يساعد على تشخيصه، ونحو ذلك مما يساعد على كشف المرض سريريًّا، ثم إذا لم تُجْدِ هذه الطريقة في الكشف عن أعراض المرض، أَوْ احتاج الطبيب إلى زيادة التثبت من الأعراض انتقل إلى الفحص التكميلي بواسطة الأجهزة والآلات الحديثة المتطورة، كالأشعة والمناظير الطبية بأنواعها، والتحاليل للدم وغيره.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى تشخيص المرض، فيقوم بدراسة الفحوص التي أجراها، والتقارير التي أعدها المحلّلون ليحدد ويقرر من خلالها تَوْصِيف الداء مستعينًا في ذلك بالمشاورة الطبية عند الاقتضاء.
ثم بعد ذلك ينتقل إلى تقرير العلاج سواء كان دواءً، أَمْ عملية جراحية، وهي مرحلة تبنى على ما سبقها، فإن كان التشخيص صَحِيحًا
صار العلاج ناجعًا؛ لأن من عرف الداء سهل عليه معرفة الدواء (1).
وهكذا العمل القضائي في تَوْصِيف الوقائع يمرُّ بمراحل، واحدةً بعد الأخرى حتى الحكم في القضية، وقد أشار ابن خلدون (ت: 808 هـ) إلى مراحل تَوْصِيف الواقعة القضائية، فهو يقول: "يتأنى- يعني القاضي - على المدعي حتى يذكر ما عنده كله، ويتفهمه حتى يعلم قطعًا مراده
…
ثم يسأل المدعى عليه رافقًا به متأنيًا عليه حتى يذكر جميع ما عنده، ويتفهمه جهدَه، ثم يستجلي الحال منهما ومن العالم بواقعتهما بأحسن استجلاء، وبأشد إيضاح
…
إذا تصور الواقعة، كالشمس ليس دونها سحاب، فليميز بين ما اتفقا عليها وما اختلفا فيه، فإذا وضحت القصة جيدًا
…
فليستحضر حكم تلك الواقعة لا برأي واستحسان
…
بل بالنقل الصريح، أَوْ بذل الجهد في درك الحق من أهل الاجتهاد وبطرقه المعتبرة
…
ثم ينقح الواقعة، بأخذ ما يتعين اعتباره وإلغاء ما لا مدخل له في الحكم بحذف، ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له، فإذا وضح أَنَّه طبقه سواء كرر النظر والتأمل والتفحص حتى يتبين ذلك كالشمس المضيئة
…
فإذا لم تبق مرية البتة
…
حكم وألزم" (2).
فتَوْصِيف الواقعة القضائية يمرّ بست مراحل، هي:
1 -
سماع الوقائع وتحديد الطلبات.
(1) التداوي والمسؤولية الطبية للمبارك 51 - 87.
(2)
مزيل الملام 111 - 118.