الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث وسيلة تنقيح الواقعة القضائية المؤثرة
إنَّ تنقيح الوقائع القضائية لإعمال مؤثرها وحذف وإلغاء طرديها بحيث تكون الواقعة المؤثرة بعد تنقيحها وكأَنَّه لم يرد فيها سوى الأوصاف والوقائع المؤثرة منقحةً مرتبةً مهذبةً - له وسيلته، وهي: التحليل، والمقابلة بين الحكم الكلي الفقهي وبين الوقائع القضائية المختلطة، فيحلل الحكم الكلي الفقهي إلى عناصره الأساس (المُعَرِّفَات، والحكم)، ومقابلتها بالوقائع القضائية المختلطة.
فيقوم القاضي بتحديد الحكم الكلي الفقهي الملاقي للواقعة (1)، سواء كان نَصًّا من الكتاب والسنة، أَمْ كان من كلام أهل العلم، أَمْ اجتهد القاضي في تقريره وتأصيله على نحو ما بيَّنَّا سابقًا في تقرير الحكم الكلي.
(1) مزيل الملام 114، درر الحكام لحيدر 4/ 602.
ومن المهم الرجوع إلى النَّصّ المقرر للحكم الكلي، والتحقق من الشروط المقتضية له من مظانه، وعدم الاعتماد على حفظ القاضي له حتى لا يفوته شيء منه.
وبعد ذلك يقوم القاضي بتحليل مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي الفقهي الموجودة في النَّصّ الشرعي، والتي تُمَثِّل فروض الحكم الكلي وعناصره التنظيرية الكلية؛ من السبب والشرط وعدم المانع، ومن ثمَّ يعرض القاضي الواقعة القضائية على هذه الفروض والأوصاف والمُعَرِّفَات الكلية وصفًا وصفًا، فما قابل منها المؤثر فهو مؤثر نعتدُّ به، وما خلا من ذلك فهو الطردي الذي يحذف ويلغى (1)؛ وما ذلك إلَّا لأَنَّ تَوْصِيف الواقعة القضائية والحكم فيها يتم على مثال الحكم الكلي الفقهي، ومنه يتعرف على الوقائع مؤثِّرِها وطرديِّها، فعلى القاضي أَنْ يحدد الحكم الكلي، ومن ثم إجراء المقابلة بينه وبين الواقعة المختلطة، فما قابل المؤثر فهو المعتدُّ به، وما عداه فهو الطردي الذي يلغى ويهدر، مع لحظِ ما في الوقائع من شروط وتقسيم يقتضيها الحكم الكلي الفقهي.
وهذه الوسيلة- أعني التحليل والمقابلة- كان فقهاؤنا يَهْدُون إليها من رام إجابة لسائل في فتوى ونحوها، يقول الإِمام الكرخي (ت: 340 هـ): "إنَّ السائل إذا سأل سؤالًا ينبغي للمسؤول أَلَّا يجيب
(1) انظر في طريقة التحليل والتركيب: ضوابط المعرفة للميداني 139.
على الإِطلاق والإِرسال، لكن ينظر فيه ويتفكر؛ إنَّه ينقسم إلى قسم واحد، أَوْ إلى قسمين، أَوْ أقسام، ثم يقابل في كل قسم حرفًا فحرفًا، ثم يعدل جوابه على ما يخرج إليه السؤال، وهذا الأصل تكثر منفعته؛ لأنَّه إذا أطلق الكلام فربما كان سريع الانتقاض؛ لأَنَّ اللفظ قلَّما يجري على عمومه" (1).
* * *
(1) أصول الحنيفة للكرخي 172.