الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]: إن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال (1).
وروى البزار، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، ذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، بَاعاً بِبَاعٍ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ، وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ أُمَّهُ لَفَعَلْتُمْ"(2).
وروى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَنتمْ أَشْبَهُ الأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيْلَ، لتَرْكَبُنَّ طَرِيْقَهُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، حَتَّى لا يَكُونَ فِيْهِمْ شَيْءٌ إِلَاّ كَانَ فِيْكُمْ مِثْلُهُ، حَتَّى إِنَّ القَوْمَ لتَمُرُّ عَلَيْهِمُ الْمَرأةُ فَيَقُوْمُ إِلَيْهَا بَعْضُهُمْ فَيُجَامِعُهَا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ إِلَيْهِمْ وَيَضْحَكُونَ إِلَيْهِ"(3).
قلت: لا يخفى أنَّ هذا واقع في هذه الأعْصار في كثير من فُسَّاق هذه الأمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
*
فائِدَةٌ:
روى الشيخان، وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(3/ 926).
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك"(8454)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/ 261): رواه البزار، ورواته ثقات.
(3)
تقدم تخريجه.
يقول: "انْطَلَقَ ثَلاثَةُ نفُرٍ مِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَاهُمُ الْمَبِيْتُ إلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَنْ يُنْجِيْكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَاّ أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصالحِ أَعْمَالِكُمْ.
قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيْرَانِ، وَكُنْتُ لا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلا مَالًا، فَنأَى بِي طَلَبُ شَجَرٍ يَوْما، فَلَمْ أَرُحْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوْقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا ناَئِمَيْنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنتُظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوْقَهُمَا، اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيْهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ.
فَانْفَرَجَت شَيْئاً لا يَسْتَطِيْعُونَ الخروجَ مِنْهَا.
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَم كَانَتْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَرَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ، حَتَّى ألمَّتْ بهَا سَنةٌ مِنَ السّنِيْن، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِيْنَ وَمِئَةَ دِيْنَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْني وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدِرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَاّ بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ عَنِ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الّذِي أَعْطَيْتُهَا؛ اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَا مَا نَحْنُ فِيْهِ.
فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنهمْ لا يَسْتَطِيْعُونَ الْخُرُوْجَ مِنْهَا.
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَقَالَ الثالِثُ: اللهُمَّ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وَأَعْطَيْتُهُمْ
أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءنِي بَعْدَ حِيْنٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ! أَدِّ إلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيْقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ! لا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئاً، اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيْهِ.
فَانَفَرَجَتْ، فَخَرَجَوا يَمْشُوْنَ" (1).
وروى الإِمام أحمد، والترمذي وحسنَّه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن ابن عمر أيضًا قال: سمعت رسول الله يحدث حديثاً لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عدَّ سبع مرات، ولكن سمعته أكثر من ذلك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كَانَ الكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ، وَكَانَ لا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتتهُ امْرَأةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّيْنَ دِيْنَاراً عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا أَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا ارْتَعَدَتْ وَبَكَتْ، فقالَ: وَمَا يُبْكِيْكِ؟
قَالَتْ: لأَنَّ هَذَا عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَاّ الْحَاجَةُ.
فَقَالَ: تَفْعَلِيْنِ هَذَا أَنْتِ مِنْ مَخَافِة اللهِ تَعَالَى، فَأَنَا أَحْرَى، اذْهَبِي فَلَكِ مَا أَعْطَيْتُكِ، وَاللهِ لا أَعْصِيْهِ بَعْدَهَا أَبَدًا.
فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ مَكْتُوباً عَلَى بَابِه: إِنَّ الله قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ،
(1) رواه البخاري (5629)، ومسلم (2743).
فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ" (1).
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَمَا كلْبٌ يُطِيْفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ إِذْ رَأتهُ بَغِيَّةٌ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيْلَ، فَنَزَعَتْ مُوْقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا"(2).
وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَعَبَّدَ عَابِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ في صَوْمَعَتِهِ سِتيْنَ عَامًا، فَأَمْطَرَتِ الأَرْضُ فَاخْضَرَّتْ، فَأَشْرَفَ الرَّاهِبُ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ نزَلْتُ فَذَكَرْتُ الله، فَازْدَدْتُ خَيْرًا، فَنَزَلَ وَمَعَهَ رَغِيْفٌ أَوْ رَغِيْفَانِ، فَبَيْنَمَا هُوَ في الأَرْضِ لَقِيتهُ امْرَأة فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ حَتَّى غَشِيَهَا، ثُمَّ أُغْمِي عَلَيْهِ، فَنَزَلَ الغَدِيْرَ يَسْتَحِمُّ بِمَاءِ، فَجَاءَ سَائِلٌ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّغِيْفَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، فَوُزِنَتْ عِبَادَةُ سِتِّيْنَ سَنَة بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ، فَرَجَحَتِ الزَّنْيَةُ بحَسَنَاتِهِ، ثُمَّ وُضعَ الرَّغِيْفُ أَوِ الرَّغِيْفَانِ مَعَ حَسَنَاتِهِ فَرَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ، فَغُفِرَ لَه"(3).
وروى أبو نعيم عن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى: أنَّ قصابًا أُولع بجارية لبعض جيرانه، فأرسلها أهلها إلى حاجة لهم في قرية، فتبعها فراودها عن نفسها، فقالت: لا تفعل؛ لأنا أشد حباً لك
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(4747)، والترمذي (2496) وحسنه، وابن حبان في "صحيحه"(387)، والحاكم في "المستدرك"(7651).
(2)
رواه البخاري (3280)، ومسلم (2245).
(3)
رواه ابن حبان في "صحيحه"(378).
منِّي، ولكني أخاف الله عز وجل.
قال: فأنت تخافينه، وأنا لا أخاف؟
فرجع تائبًا، فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقه، فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال: ما لك؟
قال: العطش.
قال: تعال ندعو حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية.
قال: ما لي من عمل فأدعو.
قال: فأنا أدعو وأمِّن أنت.
قال: فدعا الرسول، وأمَّن هو، فأظلتهم سحابة حتى إذا انتهيا إلى القرية، فأخذ القصاب إلى مكانه، ومالت السحابة، فمالت معه، فقال له: زعمت أن ليس لك عمل وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمَّنت، فأظلتنا سحابة، ثم تبعتك؟ لتخبرني بأمرك، فأخبره.
فقال: إنَّ التائب من الله بمكان ليس أحد من الناس مكانه (1).
قلت: هذه الحكاية يحتاج التأمين فيها إلى التأويل إن أمكن، وإلا يعارضه مع الحديث الذي ذكرناه سابقاً أن التأمين خاص بهذه الأمة إلا ما كان من تأمين هارون على دعاء موسى عليهما السلام.
وقد يقال: إن ذلك -وإن لم يكن مشروعاً فيهم- فقد ألهمه
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 230)، وكذا ابن أبي الدنيا في "التوبة" (ص: 82).
هذان إلهامًا، وهو خير لا منع منه.
وروى ابن الجوزي في "ذم الهوى" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان في بني إسرائيل رجل من العُبَّاد شديد الاجتهاد، فرأى يوما امرأة، فوقعت في نفسه بأول نظرة، فقام مسرعاً حتى لحقها، فقال: روديك يا هذه، فوقفت وعرفته، فقالت: ما حاجتك؟
قال: أذات زوج أنت؟
قالت: نعم، فما تريد؟
قال: لو كان غير هذا كان لنا نظر في ذلك.
قالت: وما نظرك؟
قال: عرض بقلبي من أمرك عارض.
قالت: وما يمنعك من إنفاذه؟
قال: وتتابعيني على ذلك؟
قالت: نعم.
فَخَلَت به في موضع، فلما رأته مُجداً في الذي مالَ إليه قالت: رويدك يا مسكين؛ لا يسقط جاهك عنده؟
قال: فانتبه لها، وسكن عن قلبه ما كان يجد من فتنتها، فقال: لا حرمك الله ثواب فعلك.
ثم تنحى ناحية فقال لنفسه: اختاري إما عمى العين، أو قطع الإحليل والقدم، وإما السياحة في مآكل الوحوش والسباع.