الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الأمة، ولا في موقفه.
ثمَّ حمل النهي عن صوم العيد الأول على التحريم لتمحضه للعيدية، والنهي عن صوم الثاني على الكراهة لعدم تمحضه لذلك.
كما حمل النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم على الكراهية لأنه عيد من حيث الاجتماع للصلاة، والتنظف، والتطيب والزينة له، ولم يحمل على التحريم لعدم تمحضه للعيدية من حيث زيادةُ التكليف فيه بتحريم البيع والمعاملة فيه بعد الأذان، والسفر فيه بعد الفجر، أو بعد الزوال على الخلاف فيه، ومن حيث إن الاجتماع فيه لا يطلب من سائر الأمة، بل ممن اتَّصف بصفة توجب عليه الجمعة، أو تصح منه بها.
147 - ومنها: تخصيص يوم من الأسبوع بنوع من التعظيم لم يَرِدْ به الشرع
.
ومن ثمَّ كره إفراد ليلة الجمعة بقيام، ويومها بصيام، وكذلك يوم السبت ويوم الأحد.
روى الأئمة الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَصُوْمُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُوْمَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُوْمَ بَعْدَهُ"(1).
(1) رواه البخاري (1884)، ومسلم (1144)، وأبو داود (2420)، والترمذي (743)، والنسائي في "السنن الكبرى"(2757)، وابن ماجه (1723).
وروى مسلم من حديثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَخصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيالِي، وَلا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيامٍ مِنْ بَيْنِ الأيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يَصُوْمُهُ أَحَدُكُمْ"(1).
وروى البخاري، وأبو داود، والنسائي عن جويرية بنت الحارث رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ".
قالت: لا.
قال: "أَتُرِيْدِيْنَ أَنْ تَصُوْمِي غَدًا؟ ".
قالت: لا.
قال: "فأَفْطِرِي"(2).
وروى الإمام أحمد عن عبيد الأعرج قال: حدَّثتني جدتي رضي الله عنها: أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغذى وذلك يوم السبت، فقال لها:"تَعالَى فَكُلِي".
فقالت: إني صائمة.
فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ".
قالت: لا.
(1) رواه مسلم (1144).
(2)
رواه البخاري (1885)، وأبو داود (2422)، والنسائي في "السنن الكبرى"(2754).
قال: "كُلِي؛ فَإنَّ صِيامَ السَّبْتِ لا لَكِ وَلا عَلَيْكِ"(1).
وروى أصحاب السنن الأربعة عن عبد الله بن بُسْر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيْمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ؛ فَإنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ أَوْ عُوْدَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ". حسنه الترمذي، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم (2).
والأظهر من مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه كراهية إفراد يوم الجمعة أو يوم السبت بالصوم (3).
وذهب إليه الإمام أحمد، وأبو يوسف، والقاضي أبو بكر بن العربي من المالكية في يوم الجمعة، وكذلك الأحد بالقياس عليهما ما لم يوافق عادة له أو نذرًا (4).
قال الترمذي: ومعنى الكراهية في هذا -أي: في صوم يوم السبت-
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 368). قال ابن عبد الهادي في "تنقيح تحقيق أحاديث الخلاف"(2/ 362): فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وموسى بن وردان، وعبيد الأعرج لا يعرف.
(2)
رواه أبو داود (2421)، والترمذي (744) وحسنه، والنسائي في "السنن الكبرى"(2770)، وابن ماجه (1726)، والحاكم في "المستدرك"(1592).
(3)
انظر: "شرح مسلم"(8/ 19)، و"المجموع"(6/ 449) كلاهما للنووي.
(4)
انظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 52)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (3/ 171).
أن يخص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأنَّ اليهود يعظِّمون يوم السبت، انتهى (1).
أي: والمراد: وتخصيصه بالصيام تعظيمًا له، فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم.
وكذلك من خص يوم الأحد بصيام فقد أشبه النصارى في تعظيمه.
وقد نص ابن يونس على إلحاق الأحد بالسبت، وكراهية إفراده بالصوم.
وذهب جماعة منهم مالك إلى عدم كراهية إفراد الجمعة بالصوم، وعدم كراهية صوم السبت وكذلك الأحد ولو مفردًا، وقالوا: إن النهي عن صومهما منسوخ (2) بما رواه النسائيُّ: أن ابن عباس بعث إلى عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهم يسألهما: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ أن يصوم من الأيام؟
فقالتا: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صومه يوم السبت والأحد، ويقول:"هُما عِيدانِ لأَهْلِ الْكِتابِ فَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ نُخالِفَهُمْ"(3).
ولنا أن نقول: إن سلمنا صحة هذا الحديث، فإنَّه دليل على نسخ كراهية صوم السبت لا على نسخ كراهية إفراده بالصوم؛ لأنَّ ظاهر
(1) انظر: "سنن الترمذي"(744).
(2)
انظر: "أحكام القرآن" لابن عربي (3/ 171)، و"إحكام الأحكام" لابن دقيق العيد (2/ 242).
(3)
رواه النسائيُّ في "السنن الكبرى"(2775).
الحديث أنَّه كان يصوم الأحد معه.
ولقائل أن يقول: إن مخالفة أهل الكتاب حاصلة بمجرد الصوم في اليوم الذي هو عيد لهم.
وذكر البيهقي في كتاب "خصائص يوم الجمعة": أن وجه الحكمة في كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم مخالفة اليهود فإنهم يصومون يوم عيدهم، أو يفردونه بالصوم، فنهي عن التشبه بهم كما خولفوا في يوم عاشوراء بصيام يوم قبله أو بعده، انتهى (1).
فعلى هذا لا يحصل مخالفة اليهود بمجرد صيام السبت إلا لو ضم إليه يوم آخر.
ثمَّ اختلف العلماء في وجه كراهية إفراد الجمعة بالصوم:
فقيل: لئلا يلتزم الناس من تعظيمه ما التزمت اليهود في سبتهم من ترك الأعمال كلها؛ أي: في ليلة السبت ويومه.
وهذه العلة صالحة لتعليل كل من النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام، ويومها بصيام، فربما لو شرع هذا لظن كثير من الناس أن هذه الليلة وهذا اليوم لا يتعاطى فيها شيء من الأعمال والأشغال سوى القيام والصيام، فيدخل عليهم التَّشديد في الدين، وما جعل عليهم في هذا الدين من حرج، وإنما هو يسر.
وهذا من أسلم التعاليل من النقض والمعارضة.
(1) انظر: "اللمعة في خصائص يوم الجمعة" للسيوطي (1/ 13).
وقيل -واختاره النوويّ رحمه الله تعالى-: إن يوم الجمعة شرع فيه عبادات كثيرة من الذكر والدعاء، والقراءة، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحب فطره ليكون أعون على قضاء هذه الوظائف للنشاط من غير ضعف ولا ملل؛ نظير الحاج بعرفة كان الأولى له الفطر لهذه العلة.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: فإن قيل: لو كان كذلك لم تزل الكراهة بصوم يوم قبله أو بعده لبقاء المعنى المذكور.
فالجواب: أنَّه يحصل له بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه (1).
قال العراقي: والسُّؤال الذي سأله قوي، والجواب عنه ضعيف (2).
قلت: ومقتضى الحكمة التي ذكرها النوويّ أن من كان يعرف من نفسه أن لا يقوم بوظائف يوم الجمعة ولا يهتم به لا يكره في حقه الصوم لانتفاء المعنى.
ثمَّ إن سلمت هذه الحكمة فإنما تصلح لتعليل كراهية صوم يوم الجمعة مطلقًا كما هو مذهب علي، والنخعي، الشعبي، ومجاهد، والزهري، وحكاه ابن عبد البر عن أحمد، وإسحاق.
وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة تعليل الكراهية بما ذكر عن علي رضي الله تعالى عنه؛ قال: من كان متطوعًا من الشهر أيامًا يصومها
(1) انظر: "المجموع" للنووي (6/ 450).
(2)
وانظر: "عمدة القاري" للعيني (11/ 105).
فليكن من صومه يوم الخميس، ولا تتعهدوا يوم الجمعة؛ فإنَّه يوم عيد وطعام وشراب، فيجتمع له يومان صالحان: يوم صامه، ويوم نسكه مع المسلمين (1).
وفي لفظ لابن أبي شيبة: من كان منكم متطوعًا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة؛ فإنَّه يوم طعام وشراب وذِكْر (2).
وقد اشتمل كلام علي رضي الله تعالى عنه على علتين لكراهية صوم يوم الجمعة:
إحداهما: التَّقوِّي بالطعام والشراب على الذكر.
والثانية: أنَّه يوم عيد.
ويؤيد ذلك ما رواه النسائيُّ عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صِيامَ يَومَ عِيْدٍ"(3).
وهذه العلة الأخيرة اختار الحافظ أبو الفضل بن حجر التعليل بها لكراهية إفراد يوم الجمعة بالصيام، وأيدَّه بما رواه الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَومُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيْدٍ؛ فَلا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيْدِكُمْ يَوْمَ صَوْمِكُمْ إِلَّا أَنْ
(1) رواه عبد الرزاق في "المصنف"(7813).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(9243)، وحسن إسناده ابن حجر في "فتح الباري"(4/ 235).
(3)
رواه النسائيُّ في "السنن الكبرى"(2790)، وكذا الإمام أحمد في "المسند"(3/ 77).
تَصُوْمُوْا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (1).
فإن قلت: الصوم قبل يوم الجمعة أو بعدها لا يخرجه عن كونه عيدًا؟
فالجواب: إن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم نص على أن كراهية صومه -وإن كان عيدًا- يزول بصيامٍ قبله أو بعده.
فإن قلت: يلزم على هذا أن لا يمنع من صيام يوم النحر من صام قبله بيوم، ولا من صام آخر أيام التشريق من صام بعده يومًا، وهذا لا قائل به؟
فالجواب: منع هذا.
والفرق بين ما تمحض للعيدية ليوم الفطر ويوم النحر والتشريق، فمنع من صامه مطلقًا، وما فيه شائبة العيدية وليس بعيد محض كيوم عرفة ويوم الجمعة فكره صوم يوم عرفة في مكان [مخصوص، لقوم](2) مخصوصين، وكره صوم يوم الجمعة في حالة مخصوصة، ومن ثمَّ لو نذر صوم يوم عرفة وإن كان حاجًا في عرفة، أو صوم يوم الجمعة انعقد النذر، وتعين الصَّوم بخلاف ما لو نذر صيام يوم الفطر، أو يوم النَّحر، أو أيام التَّشريق إلا ما روي عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه: أنَّه ينعقد
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 303)، والحاكم في "المستدرك"(1595)، وكذا ابن خزيمة في "صحيحه"(2161).
(2)
ما بين معكوفتين من "ت".