الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِضَبُعَيَّ، فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعِراً حَتَّى إِذا كُنْتُ في سَوَاءِ الْجَبَلِ إِذا بِأَصْوَاتٍ شَدِيْدَةٍ، قُلْتُ: ما هَذِهِ الأصْواتُ؟ قالُوا: هَذَا عواءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطَلَقَا بِي فَإِذا أَنا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِيْنَ بِعَراقِيْبِهِمْ مُشَقَّقَةٌ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيْلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالا: الَّذِيْنَ يُفْطِرُوْنَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِم" (1)؛ أي: قبل وقت الإفطار.
146 - ومنها: صوم عيد الفطر، والأضحى، وأيام التشريق
.
فإن هذه الأيام إذا وافقت صوم أهل الكتاب لصاموها ولم يبالوا، ولأنها أيام عيد، ومن عادة اليهود أن يصوموا يوم عيدهم كما سيأتي عن السيوطي.
وقد جاء النهي عن صوم هذه الأيام، وقد أجمع العلماء على صيام اليومين الأولين، وأما صيام أيام التشريق فالأكثرون على تحريمه، وهو قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وهو الجديد من قولي الشَّافعي، وهو الأصح لما روى أبو داود من طريق مالك عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فقرَّب إليها طعامًا، فقال عبد الله: كُلْ إني صائم.
فقال عمرو: فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزمنا بإفطارها وينهانا عن صيامها؟
(1) رواه ابن خزيمة في "صحيحه"(1986)، وابن حبان في "صحيحه"(7491).
قال مالك رضي الله تعالى عنه: هي أيام التشريق (1).
وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن نبُيشة الهذلي -وهو بالتصغير رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَيَّامُ التَّشْرِيْقِ أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ"(2).
فإن قلت: فقد روى التِّرمذي وحسنه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا.
قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد، في يوم جمعة ويوم عرفة، فسمَّى ابن عباس يوم عرفة عيداً مع أنَّ صومه من السُّنَّة لغير الحاج (3).
فالجواب أن ظهور ما هو شأن العيد من الفرح والابتهاج والسرور يوم عرفة إنما يتم للحاج، فلذلك كره له صومه، واستحب لغيره صيامه؛ إذ لا يتم له من معنى العيد ما يتم للحاج.
ومن ثمَّ حمل بعض العلماء ما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) رواه أبو داود (2418).
(2)
رواه مسلم (1141)، وأبو داود (2813)، والنسائي (4230).
(3)
رواه الترمذي (3044) وقال: حسن غريب من حديث ابن عباس، وهو صحيح.
"يَوْمُ عَرَفَةَ وَيوْمُ النّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيْقِ عِيْدُ أَهْلِ الإسْلامِ، وَهِيَ أّيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ"(1) على أنه لعله قال في حجة الوداع، وأنه مخصوص بالحاج حيث كان الأفضل في حقه الفطر يوم عرفة ليتقوى بذلك على الوقوف والدُّعاء.
قال الشيخ زين الدين العراقي: ويدل لهذا التأويل أن النسائي بوَّب على هذا الحديث في كتاب "الحج": النهي عن صوم يوم عرفة؛ أشار إلى أن النهي مخصوص بالحاج، انتهى.
وفي الحديث وجه آخر وهو أن قوله: "وهي أيام أكل وشرب" يعود على أيام التشريق فقط، أو عليها مع يوم النحر دون يوم عرفة، أو يعود على مجموع السابق، لا على جميعه.
نعم، يبقى في الحديث تسمية يوم عرفة عيداً.
والحاصل أن أعياد أهل الإسلام على قسمين:
- عيد لسائر الأمة.
- وعيد لجماعة مخصوصين من الأمة في مكان مخصوص.
فالأول: الفطر والنحر، فنهيت سائر الأمة عن صيام هذا العيد لظهوره في عموم هذه الأمة.
والثاني: يوم عرفة، فندب صيامه لما فيه من الفضل العظيم إلا للحاج بعرفة، فنهي عن صومه لظهوره في حقه دون من لم يكن بصفته
(1) رواه أبو داود (2419)، والترمذي (773) وصححه، والنسائي (3004).