الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد جمعت اليهود بين ذلك وأكل الحرام؛ إذ قال الله في وصفهم: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42].
وجاءت فيهما بصيغة المبالغة والتكثير؛ فإن وقوع شيء من ذلك على سبيل الزلة والهفوة لا يضر، والاستغفار يمحوه أو يخففه، حتى يتكرر ذلك من العبد أو القوم، ويكثر فيهلكوا.
وقد روى ابن جرير عن سِماك بن حرب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: إذا ظهر الرِّبا والزنا في قرية أَذِنَ الله في هلاكها (1).
بل روى الإمام أحمد، وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما ظَهَرَ في قَوْمٍ الرِّبَا والزِّنَا إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللهِ"(2).
159 - ومن أعمال أهل الكتاب: الاستئثار
.
وقد ألهمت عدة من خصالهم في المنام.
ويدل له ما حكي: أن أحبار بني إسرائيل وقسِّيسي النصارى وبطارقتهم كانوا يستحثون الناس على الصدقات، ويأمرونهم بإعطاء الزكاة، وكانوا يدفعونها إليهم ليقسموها في الفقراء، وكانوا يستأثرون بها، ويستقلون حتى صاروا أكثر أموالًا من الملوك.
(1) رواه الطبري في "التفسير"(15/ 107).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 402)، وكذا ابن حبَّان في "صحيحه"(4410).
قيل: وفيهم نزلت: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: 34].
ومن ألطف الأخبار في هذا الباب لأهل الاعتبار: ما رواه عبد الرزاق، والطبراني في "الكبير"، وابن مردويه، والحافظ أبو بكر الواسطي في "فضائل بيت المقدس" عن رافع بن عمير رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قَالَ اللهُ تَعالَى لِداوُدَ عليه السلام: ابْنِ لِي بَيْتًا في الأَرْضِ.
فَبَنَى دَاودُ لِنَفْسِهِ بَيْتًا قَبْلَ البَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ: يا دَاوُدُ! نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟
قَالَ: يا رَبِّ! هَكَذَا قُلْتَ: مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ.
ثُمَّ أَخَذَ في بِناءِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أتمَّ السُّوْرُ سَقَطَ ثَلاثًا، فَشَكَى ذَلِكَ إلَى اللهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ لا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا.
قَالَ: وَلِمَ يَا رَبَ؟
قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ.
قَالَ: يَا رَبِّ! أَوَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في هَوَاكَ وَحُبِّكَ.
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي، وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ.
فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ: لا تَحْزَنْ؛ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَي ابْنِكَ سُلَيْمانُ.
فَلمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخَذَ سُلَيْمانُ عليهما السلام في بِنائِهِ، فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ القَرابِيْنَ، وَذَبَحَ الذَّبائِحَ، وَجَمَعَ بَنِي إِسْرائِيلَ، فأوْحَى اللهُ تَعالَى
إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سُرُوْرَكَ بِبِناءِ بَيْتِي فاسْأَلْنِي أُعْطِكَ.
قَالَ: أَسْألُكَ ثَلاثَ خِصالٍ: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ، وَمُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، وَمَنْ أتى هَذَا البَيْتَ لا يُرِيْدُ إلا الصَّلاةَ فِيْهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
قَالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" (1).
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه -واللفظ له- وابن خزيمة، وابن حبَّان في "صحيحيهما"، والحاكم وصححه -قال المنذري: ولا علة له، وحسَّنه بعض الحفاظ، وهو شاهد لحديث رافع ابن عمير المذكور آنفًا- عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ عليهما السلام مِنْ بِناءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَألَ اللهَ عز وجل ثَلاثًا: حُكْمًا يُصادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّه لا يَأتِيَ هَذا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لا يُرِيْدُ إِلَّا الصَّلاةَ فِيْهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُما، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ"(2).
وقوله في حديث رافع: يا رب! أنت قلت: من ملك استأثر، هو مثل سائر، وهذا الحديث أصله.
وفيه أنَّه من كلام الله تعالى الذي أنزله على داود عليه السلام.
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
وفيه دليل على أن الاستئثار يظهر على الإنسان إذا مَلَكَ، لا يخلو منه إلا بالعصمة، قضاء قضاه الله تعالى؛ إذ معنى قوله: أنت قلت يا رب: من ملك استأثر: أنت قضيت، وحكمت، أو قلت فيما أوجبت إلي، ولذلك كان الإيثار من أعظم ما يثنى به على المتصف به كما قال تعالى في الأنصار:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].
وليس فوق هذا ثناء في باب الجود؛ لأنَّ الإيثار في حالة الملك والقدرة ممدوح، فكيف في حال الحاجة والخصاصة؟ ومن ثمَّ قيل:
لَيْسَ الْعَطاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَماحَةً
…
حَتَّى تَجُودَ وَما لَدَيْكَ قَلِيلُ
ثمَّ الاستئثار إن كان بالمباح فلا عقوبة فيه، ومنه استئثار داود عليه السلام؛ فإن بناء بيته قبل بناء المسجد لم يكن محظورًا عليه، إذ أمره الله تعالى أن يبني له بيتًا، ولم يبين له أن لا يقدِّم عليه شيئًا، وإنما عوتب فيه لأنَّ مقام النبوة كان يقتضي المبادرة إلى بناء المسجد قبل كل شيء لا سيما وقد أمر به؛ كما فعل نبينا صلى الله عليه وسلم لم يعرج على شيء حين نزل دار هجرته قبل بناء المسجد الشريف، وبهذا تظهر فضيلته ومزيته على داود عليه السلام.
وأما إن كان مما يجب عليه بذله ولا يباح له حبسه ولا التصرف فيه لنفسه كالزكاة والنفقات الواجبة عليه، وما كان في يده على وجه الأمانة ليؤديه للغير، فهذا مذموم منه، ممنوع عنه.