الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيه إشارة إلى أنه إنما نهاهم عنه تيسيرًا عليهم ورحمة لهم لئلا يتشددوا في الدين كما تشددت فيه رهبان النصارى، ثمّ بين أن الوصال ليس مشقاً في حقه، فأباحه الله له كرامة وخصيصة.
141 - ومنها: التشدد في الصيام، والامتناع فيه عن اللحم وما يلائمه من الأدم
، والاقتصار على الزيت ونحوه كما يفعل النصارى في صيامهم.
وهذا يتفق كثيرًا للمتعمقين في الدين، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم فعلوا ذلك في صومهم، وإنما هو معروف من فعل النصارى.
وأصله: أن ملكًا من ملوكهم أكل اللحم في الصوم فوجع، فترك اللحم، وأمرهم بتركه.
وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَيِّدُ طَعامِ أَهْلِ الدُّنْيا وَأَهْلِ الْجَنَّةِ اللَّحْمُ"(1).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الإِدامِ اللّحْمُ، وَهُوَ سَيِّدُ الإِدامِ"(2).
(1) رواه ابن ماجه (3305)، وكذا ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (ص: 68). وضعف العراقي إسناده في "تخريج أحاديث الإحياء"(1/ 651).
(2)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5902). قال ابن طاهر المقدسي في =
وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَكْلُ اللَّحْمِ يُحَسِّنُ الوَجْهَ، وَيُحَسِّنُ الْخُلُقَ"(1).
وروى ابن السني، وأبو نعيم كلاهما في "الطب"، والبيهقيّ عن علي رضي الله عنه: اللحم من اللحم؛ فمن لم يأكل اللحم أربعين يومًا ساء خلقه (2).
وروى أبو داود، والترمذي، وهؤلاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع؛ أي: من الشاة ونحوها (3).
وسبب ذلك كما قال بعض العلماء قربُها من المرعى.
وروى الشيخان، والترمذي عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحم دجاج (4).
وروى هؤلاء، وأبو داود، وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل (5).
= "ذخيرة الحفاظ"(3/ 1307): رواه هشام بن سلمان المجاشعي، وهشام بروايته هذا الحديث يدل على ضعفه.
(1)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(49/ 323)، وكذا تمام الرازي في "فوائده"(2/ 288).
(2)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5903).
(3)
رواه أبو داود (3781)، والترمذي في "الشمائل المحمدية" (ص: 141).
(4)
رواه البخاري (5199)، ومسلم (1649)، والترمذي (1827).
(5)
رواه البخاري (5291)، ومسلم (1474)، والترمذي (1831)، وأبو داود (3715)، وابن ماجه (3323).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا أُتِيَ أَحَدُكُمْ بِالطِّيْبِ فَلْيُصِبْ مِنْهُ، وَإِذَا أُتِيَ بِالْحَلْوَى فَلْيُصِبْ مِنْها"(1).
وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيْهِ جِياعٌ أَهْلُهُ"(2)؛ أي: بيت في المدينة ونحوها من البلاد التي عمدة أقواتها لأهلها التمر.
فهذه الأحاديث، وأمثالها تدل على أن تناول هذه الطيبات وأمثالها لا تخل بالزهادة، ولا بالعبادة إذا كان العبد يتناولها على وجه الشرع - سواء كان ذلك في صوم، أو فطر -.
قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].
قال علي بن الحسين: قد جمع الله الطِّب في نصف آية، فقال:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (3).
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5936) لكن عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: تفرد به فضالة بن حصين العطار، وكان متهماً بهذا الحديث. وكذا رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(7129).
(2)
رواه مسلم (2046)، وأبو داود (3831)، والترمذي (1815)، وابن ماجه (3327).
(3)
انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (3/ 188).
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كل ما شئت، واشرب ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف، ومَخِيلة.
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصحح عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كُلُوا واشْرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا، والْبَسُوا في غَيْرِ مَخِيْلَةٍ وَلا سَرَفٍ؛ فَإِنَّ الله سُبْحانهُ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ"(1).
ومن ثمّ تعلم أن المبالغين في التنعم والتبسط في التلذذات في رمضان مفرطون مخالفون للحكمة التي شرع من أجلها الصوم من قمع الشهوة وكسرُ النفس، حتى إن أحدهم يأكل في رمضان من أنواع الطيبات ما لا يأكله في غيره، وربما صرف في رمضان ما لا يصرفه من أول السنة إلى آخرها غير رمضان، حتى إن بعض الجهلة ربما اشتاق إلى رمضان لا لأجل الصيام، ولكن لأجل ما اصطلح عليه الناس من الطَّيبات، فلا ينبغي للمتدين أن يهتم لنفسه في رمضان ما لا يهتم لها في غيره.
وإذا كان سرَّ الصَّوم كسرُ الشهوة ومجاهدة النفس لتنقاد للطاعة، فأي جدوى -كما قال حجة الإِسلام الغزالي في "الإحياء"- لتأخير أكلة، وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأُخر طول النهار؛ أي: ومع التأنق في تحسين المآكل والمشارب التي يستوفيها بعد
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 181)، والنسائي (2559)، وابن ماجه (3605)، وذكره البخاري (5/ 2181) معلقاً.
فطره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إِنَّ مِنَ الإِسْرافِ أَنْ تَأكُلَ كُلَّ ما اشْتَهَيْتَ".
رواه ابن ماجه، وغيره من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (1).
نعم، إن وسع في نفقته وعمل مستلذات الأطعمة من غير إسراف ولا مَخِيلة لأجل عياله أو صغار أولاده، أو لضيفه، أو لإخوان يجمعهم على طعامه، فهذا له أصل في السنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان كما في "الصحيح"(2).
وقال العلماء: يستحب الإكثار من السخاء والجود في رمضان لهذا الحديث، ولغيره.
بل إكرام الإخوان وإصابة الشهوة منهم في رمضان وغيره مندوب إليه.
وقد روى الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وافَقَ مِنْ أَخِيْهِ شَهْوَةً غُفِرَ لَهُ"(3).
(1) رواه ابن ماجه (3352)، وكذا أبو يعلى في "المسند"(2765)، والبيهقيّ في "شعب الإيمان"(5721)، وابن حبان في "المجروحين" (3/ 47) وقال: نوح بن ذكوان منكر الحديث جدًا.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 18): رواه الطبراني والبزار، وفيه زياد ابن نمير النميري، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ وضعفه غيره، وفيه من لم أعرفه.
وروى البيهقي عن الليث بن أبي سليم قال: أول من خَبَصَ الخَبِيص عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، قَدِمَت عليه عِيرٌ تحمل النَّقيَّ والعسل، فخلط بينهما، وعمل الخبيص، وبعث به إلى أم سلمة رضي الله عنها، فلما وضعته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكله، فاستطابه، فقال:"مَنْ بَعَثَ هَذا؟ ".
قالت: عثمان بن عفان.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ إِنَّ عُثْمانَ تَرَضَّاكَ فارْضَ عَنْهُ"(1).
وعن عبد الله بن عوف رحمه الله تعالى قال: ما أتينا ابن سيرين في يوم عيد قط إلا أطعمنا خبيصًا؛ أي: فالوذق (2).
ورواه أبو نعيم في "الحلية"، ولم يقل: يوم عيد (3).
وفيها عن أبي خلدة قال: دخلت على محمَّد بن سيرين رحمه الله تعالى فقال: ما أدري ما أتحفكم به، كلكم في بيته [خبز ولحم](4)، يا جارية! تلك الشهدة، فجاءت بها، فجعل يقطع، ويأكل ويطعمنا (5).
وقوله: تلك الشَّهدةَ؛ أي: القطعة من العسل مع شمعه، وهو منصوب بإضمار: هاتِ، أو على الأغراء.
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5932) وقال: هذا منقطع.
(2)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5937).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 269).
(4)
من "ت".
(5)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 269).
ثم اعلم أن التبسط في الشهوات والاسترسال فيها ربما أدى إلى قسوة القلب والغفلة عن ذكر الله تعالى، وقد يؤول بصاحبه إلى الإسراف والمَخِيلة وغيرهما من المفاسد الدينية، فاللائق بالعبد الاقتصاد والتوسط بين الإفراط والتفريط في قدر المأكل والمشرب، وسائر التمتعات، وفي أنواعها وقيمتها، مع مراقبة الله في سائر الأحوال، وسياسة النفس في سائر الأمور، وبهذا جاءت السنة.
روى الترمذي، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تَعَشَّوْا وَلَوْ بِكَفِّ مِنْ حَشَفٍ؛ فَإِنَّ تَرْكَ العَشاءِ مَهْرَمَةٌ"(1).
وروى ابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تَدَعُوا العَشاءَ وَلَوْ بِكَفٍّ مِنْ تَمْرٍ؛ فَإِنَّ تَرْكَهُ مَهْرَمَةٌ"(2).
وروى الترمذي وحسنه، وابن حبَّان في "صحيحه" عن المقدام ابن معدي كرب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما مَلأَ آدَمِيٌ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أُكُلاتٌ -وفي لفظ: لُقَيْماتٌ- يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كانَ لا مَحالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ"(3).
(1) رواه الترمذي (1856) وقال: حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعنبسة يضعف في الحديث، وعبد الملك بن علاق مجهول.
(2)
رواه ابن ماجه (3355). قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"(6/ 45): إبراهيم بن عبد السلام بن عبد الله المخزومي أحد المتروكين.
(3)
رواه الترمذي (2380) وصححه، وابن حبان في "صحيحه"(674).
وروى ابن ماجه، والبيهقيّ -وحسنه جميعهم- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مِنَ الإِسْرافِ - وفي لفظ: إِنَّ مِنَ الإِسْرافِ - أَنْ تَأكُلَ كُلَّما اشْتَهَيْتَ"(1).
و"ما" في قوله: "كل ما اشتهيت" موصولةٌ.
ويحتمل أن تكون على المفعولية أي: كل مأكول اشتهيت.
ويحتمل أن تكون على الظرفية؛ أي: في كل وقت اشتهيت؛ فإن الشهوة أكثر ما تكون غير صادقة، بل ولهاً من الإنسان وتشغلاً، وتارة تكون الشهوة صادقة والأكل عند صدق الشهوة واستحكامها محمود شرعًا وطباً، وأمَّا عند الشهوة الكاذبة كلما وقعت الشهوة به فذلك هو المراد في الحديث.
وروى ابن السني، وأبو نعيم، والبيهقيُّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لِلْقَلْبِ فَرْحَةٌ عِنْدَ أَكْلِ اللَّحْمِ، وَما دامَ الفَرَحُ لامْرِئٍ إِلَّا أَشِرَ وَبَطِرَ"(2).
وروى الترمذي وحسَّنه، وأبو يعلى -واللفظ له - عن علي
(1) تقدم تخريجه قريبا.
(2)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5662)، وكذا الديلمي في "مسند الفردوس" (4984). وقال ابن طاهر المقدسي في "ذخيرة الحفاظ" (2/ 952): رواه عبد الله بن محمَّد بن المغيرة المصري وهو ضعيف، والحديث منكر.