الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما اتخاذ يوم عاشوراء مأتمًا للحسين فإنَّه بدعة ابتدعها الروافض؛ فيجب الحذر من التشبه بهم فيها.
وأما الاكتحال يوم عاشوراء ففيه حديث ضعيف، ورواه البيهقي عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اكْتَحَلَ بِالإِثْمِدِ يَوْمَ عاشُوراءَ لَمْ يَرْمَدْ أَبَدًا"(1).
149 - ومن أخلاق اليهود والنَّصارى: ترك الحج والعمرة إلى بيت الله الحرام مع الاستطاعة
.
فإن انضم إلى ذلك إنكار وجوب الحج كان كفرًا.
ولا يكفر بإنكار وجوب العمرة لاختلاف العلماء فيها.
قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97].
روى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن الضَّحاك رحمه الله تعالى قال: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان، مشركي العرب، والنصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين -أي: مع المسلمين- فخطبهم، فقال:"إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ كتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا"، فآمنت به أهل ملة واحدة وهم المسلمون.
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(3797) وقال: إسناد ضعيف بمرة؛ جويبر ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس رضي الله عنهما.
وفي رواية: فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ملل؛ قالوا: لا نؤمن به، ولا نستقبله، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97](1).
وروى هؤلاء والبيهقيُّ في "السنن" عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: لما نزلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} [آل عمران: 85] الآية قالت اليهود: نحن المسلمون، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ".
فقالوا: لم يكتب علينا، وأَبَوا أن يحجوا، فأنزل الله تعالى:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97](2).
وقال سعيد بن المسيّب رحمه الله تعالى: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب. نقله الثعلبي، وغيره (3).
وروى الترمذي وضعفه، وابن عديّ، وغيرهما عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَراحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ لا يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَو نَصْرانِيًّا؛ وَذَلِكَ أَنَّ
(1) رواه سعيد بن منصور في "سننه"(3/ 1074)، والطبري في "التفسير"(4/ 20).
(2)
رواه سعيد بن منصور في "سننه"(3/ 1063)، والطبري في "التفسير"(3/ 339)، والبيهقيُّ في "السنن الكبرى"(4/ 324).
(3)
انظر: "تفسير البغوي"(1/ 330).
الله تَعَالَى يقولُ في كِتابِهِ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] الآية" (1).
وروى الإمام أحمد في كتاب "الإيمان"، وسعيد بن منصور، وأبو يعلى بإسناد قريب، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حابِسٌ، أُوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ حاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حالٍ شَاءَ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرانِيًّا"(2).
وروى الإمام أحمد -قال ابن المنذري: وإسناده حسن، واللفظ له- وسعيد بن منصور -وإسناده صحيح كما قال السيوطي-[عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: أنَّه] قال: "مَنْ كانَ ذَا يَسَارٍ فَماتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شاءَ يَهُودِيًّا، وإِنْ شَاءَ نَصْرانِيًّا"(3).
قال العلماء: هذا الحديث مخرج على التحذير والتخويف من ترك الحج مع القدرة.
(1) رواه الترمذي (812) وضعفه، وابن عديّ في "الكامل"(7/ 120).
(2)
رواه أبو يعلى في "المعجم"(231)، وكذا الدارمي في "السنن"(2/ 45)، والبيهقيُّ في "السنن الكبرى" (4/ 334) وقال: وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(3)
ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(14455)، والبيهقيُّ في "السنن الكبرى"(4/ 334)، وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (2/ 275).
قلت: ويؤخذ من هذه الأحاديث أنَّه يُخشى على من ترك الحج مع الاستطاعة من سوء الخاتمة، والحيلولة بين العبد وبين العصمة من الشيطان عند الموت؛ إذ روي أن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان؛ الواحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه يقول: يا بني! إني كنت عليك شفيقًا ولك محبًا، ولكن مت على دين النصارى وهو خير الأديان، والذي عن شماله على صفة أمه تقول: يا بني! كان بطني لك وعاء، وثدي لك سقاء، وفخذي لك وطاء، ولكن مت على دين اليهود وهو خير الأديان، فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه، وهو معنى قوله تعالى:{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8] الآية. نقله القرطبي في "التذكرة".
والأخبار المتقدمة دليل على وجوب الحجِّ على الفور مع الاستطاعة، وممن قال به الإمامان مالك، وأحمد، وأبو يوسف، والمزني (1).
وقال الإمام الشافعي: إنه واجب على التراخي لأنَّ الحج فُرِض في سنة خمس أو ست، وهو الراجح، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت سنة عشر، فلو كان الوجوب على الفور لم يؤخره.
ثمَّ أَظْهَرُ الوجهين من مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن من أخر الحج بعد الاستطاعة حتى مات، مات عاصيًا لأنا إنما جوَّزنا له التأخير دون التفويت.
(1) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (16/ 163)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 235)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 100).