الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
تَنْبِيْهٌ:
الخصاء في هذه الأمة للمماليك السود كثيراً، وللبيض قليلاً، وغيرهم هو مما وقع في هذه الأمة كما أخبر به صلى الله عليه وسلم في عموم أخباره من أن أمته ستركب سنن من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم، ووقع الإخبار منه به على الخصوص فيما رواه ابن عدي في "كامله"، والدارقطني في "أفراده"، وابن عساكر في "تاريخه" عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سَيَكُونُ قَوْمٌ يَنَالُهُمُ الْخِصَاءُ؛ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا".
وإنما وصى بهم لضعفهم، وانقطاع شهوة النكاح عنهم، وانحباسهم عن قضائها مع عروضها لهم، أو لأنهم من مظنات الخير لأن أكثر ما يمنع الإنسان عن الخير اتباع هواه وشهوته، وقد سلب هؤلاء شطر الشهوة أو معظمها، ونقصت منهم دواعي الفتنة.
167 - ومن أخلاق أهل الكتاب: تزوج المرأة لجمالها أو مالها أثارة للمال والجمال على الدين
.
وقد علمت ما في ذلك.
وفي الحديث: "تُنْكَحُ الْمَرْأة لأَرْبَع: لِمَالِهَا، وَلِحُسْنِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِيْنِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَدَاكَ". رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة، والدارمي عن جابر رضي الله تعالى عنه (1).
(1) تقدم تخريجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الدارمي في "السنن"(2171) عن جابر رضي الله عنه.
وأخرجه الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، والدارقطني، والحاكم وصححه، من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، ولفظه:"تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى إِحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى مَالِهَا، وَتُنْكَحُ الْمَرْأة عَلَى جَمَالِهَا، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى دِيْنِهَا وَخُلُقِهَا؛ فَخُذْ ذَاتَ الدِّيْنِ وَالْخُلُقِ تَرِبَتْ يَدَاكَ"(1)؛ أي: إن تركتها لغيرها، أو لا يريد الدعاء على عادة العرب في إطلاق ذلك، ونحوه على وجه التعجب.
وحذف الحسب في هذه الرواية لأن أكثر الناس لا يلتفتون إليه؛ إذ ليسوا كلهم ذوي أحساب، أو لأنهم يؤثرون المال والجمال عليه، أو لأنه أشار إليه بالخلق فإنه يتبع الحسب غالباً، وهو مرغوب فيه مع الدين، ولذلك جمع بينهما في الحديث.
وحكي أن نوح بن أبي مريم قاضي مروان أراد أن يزوج ابنه فاستشار جاراً له مجوسياً، فقال: سبحان الله! الناس يستفتونك وأنت تستفتيني؟
فقال: لا بد أن تشير علي.
فقال: إن رئيسنا كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار النسب، وإن نبيكم محمداً صلى الله عليه وسلم كان يختار الدين؛ فانظر أنت لنفسك بمن تقتدي (2).
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "ربيع الأبرار" للزمخشري (1/ 469).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه قال: كان لموسى عليه السلام أخت يقال لها: مريم، فقالت له: يا موسى! إنك تزوجت إلى شعيب عليه السلام، وأنت يومئذ لا شيء لك، ثم أدركت ما أدركت، فتزوجْ في ملوك بني إسرائيل.
قال: ولِمَ أتزوج في ملوك بني إسرائيل؟ فو الله ما أحتاج إلى النساء منذ كلمت ربي عز وجل.
قال: فاعْتَدَتْ عليه في الكلام، فدعا عليها، فَبَرِصَت.
قال ثم شق ذلك على موسى عليه السلام، قال: فدعا أخاه هارون عليه السلام، فقال: واصل يا هارون، فصاما ثلاثاً وواصلا، ولبسا المُسُوح، وافترشا الرماد، وجعلا يدعوان ربهما عز وجل حتى كشف عنها ذلك البلاء الذي بها (1).
واعلم من آثر مال المرأة، أو جمالها، أو حسبها على الدين عومل فيها بعكس مراده، وضد مقصوده.
واشتهر على الألسنة: من تزوج امرأة لمالها أو جمالها حرمه الله مالها وجمالها.
وليس في الحديث بلفظه، لكن يؤيد معناه ما رواه أبو نعيم، وابن النجار عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ
(1) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة"(1/ 292)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 49).
تَزَوَّجَ امْرَأة لِعِزِّها لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَاّ ذُلاًّ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَاّ فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَاّ دنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلَاّ ليَغُضَّ بَصَرَهُ وَيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيْهَا، وَبَارَكَ لَهَا فِيْهِ".
ولفظ ابن النجار، وفيه زيادة:"كَانَ ذَلِكَ مِنَّة، وَبُورِكَ لَهُ فِيْهَا وَبُورِكَ لَهَا فِيْهِ"(1).
فإن قلت: فقد قال الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32].
وروى ابن أبي شيبة، وأبو داود في "مراسيله" عن عروة مرسلاً، والبزار، وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انْكَحُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّهُنَّ يَأتِيْنَكُمْ بِالْمَالِ".
وفي لفظ: "تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ يَأتِيْنَكُمْ بِالأَمْوَالِ"(2).
(1) تقدم تخريجه عن ابن النجار، ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 245).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(15913)، وأبو داود في "المراسيل" (ص: 180) (203) عن عروة مرسلاً.
وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد"(4/ 255) إلى البزار عن عائشة رضي الله عنها، وقال: رجاله رجال الصحيح خلا سالم بن جنادة، وهو ثقة.
وفي لفظ أخرجه الخطيب، وغيره، وصححه الحاكم:"تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنهنَّ يَأتِيْنَ بِالْمَالِ"(1).
قلت: إنهم كانوا يمتنعون عن التزوج مخافة العَيْلة والفقر، وكان الفقراء أشد امتناعاً منه مخافة الفاقة، فأمرهم الله تعالى بالنكاح وتزويج العبيد والإماء اتكالاً على الله تعالى، وأشار إليهم بأنه يغنيهم، ويضم رزق الأزواج إلى رزقهم، ألا ترى كيف قال:{يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32]؟
ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجزْ لكم ما وعدكم من الغنى؛ أي: من فضله، ثم تلا الآية. أخرجه ابن أبي حاتم (2).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اطلبوا الفضل في الباءة، ثم تلا الآية.
وفي لفظ: ابتغوا الغنى في الباءة. أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: التمسوا الرزق - أي: من الله تعالى - بالنكاح. أخرجه الديلمي.
(1) رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(9/ 147)، والحاكم في "المستدرك"(2679).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2582).