الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
10 - ومنها: أنهم كانوا لا يتطهرون
.
قال ابن سيرين، وابن زيد في قوله تعالى:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]: فاغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة؛ وذلك أن المشركين كانوا لا يتطهرون من النجاسة، فأمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتطهر ويطهر ثيابه. نقله الثعلبي (1).
وقول ابن سيرين أخرجه ابن المنذر (2).
11 - ومنها: عمل المعاصي مطلقاً، وإساءة الأعمال والأخلاق، وتكديرها بالرياء، والمن والأذى، وطلب العوض
.
ولا شك أن الدين إنما هو نسخ للجاهلية، وهو عبارة عن ترك ذلك، وفعل العمل الصالح، والتخلق بالأخلاق الحسنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بعث بمكارم الخصال ومحاسن الأعمال.
وقد وقع التعريض بذلك في قوله تعالى -وهو من أول ما أنزل-: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر 1 - 10].
(1) انظر: "تفسير الثعلبي"(10/ 69)، ورواه الطبري في "التفسير"(29/ 147).
(2)
ورواه الطبري في "التفسير"(29/ 146).
قال قتادة رحمه الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]: المتدثر في ثيابه.
{قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 2]؛ قال: أنذر عذاب ربك ووقائعه في الأمم، وشدة نقمته إذا انتقم.
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] قال: طهرها من المعاصي، وهي كلمة عربية؛ كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يوف بعهد قالوا: إن فلاناً لَدَنِسُ الثياب، وإذا أوفى وأصلح قالوا: إن فلاناً لطاهر الثياب.
{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]؛ قال: هما صنمان كانا عند البيت: إسافٌ ونائلة، كان يمسح وجوههما من أتى عليهما من المشركين، فأمر الله تعالى نبيه أن يهجرهما ويجانبهما؛ أي: وغيرهما من الأوثان.
{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]: لا تعط لمثابة الدنيا، ولا لمجازاة الناس. أخرجه عبد الرزاق، والمفسرون (1).
وروى ابن المنذر عن أبي مالك في قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3]؛ أي: عظم.
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]؛ قال: عنى نفسه.
{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]؛ قال: الشيطان والأوثان (2).
(1) رواه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 327 - 328)، والطبري في "التفسير"(29/ 144 - 148) مفرقاً.
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 325).
و [روى] ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قلنا: يا رسول الله! كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة؟ فأنزل الله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3].
قال: فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفتتح الصلاة بتكبير (1).
وأبو هريرة لم يشهد حين نزول الآية لأنها مكية من أول ما أنزل، وأبو هريرة إنما أسلم عام خيبر، وإنما أراد بقوله:(قلنا): قال المسلمون، أو حكاه عمن حدث به فحذف الراوي عن أبي هريرة، أو تأخر نزول قوله تعالى:{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] عن نزول ما قبلها وما بعدها.
وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]. قال: النائم.
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]؛ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل.
و{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]؛ قال: الأصنام.
{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]؛ قال: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها.
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]؛ قال: من الإثم؛ قال: وهي في كلام العرب نقي الثياب (2).
وروى المفسرون، وابن الأنباري في "الوقف والابتداء" عن
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 325).
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(29/ 144 - 146) مفرقاً، وابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3382).
عكرمة: أن ابن عباس سئل عن قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجر.
ثم قال: ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة: [من الطويل]
وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ
…
لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتقَنَّعُ (1)
وروى ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان الرجل في الجاهلية إذا كان غداراً قالوا: فلانٌ دَنِسُ الثياب (2).
وروى ابن المنذر عن الحسن في قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]؛ قال: خُلُقَكَ فَحَسِّنْه (3).
وروى عبد بن حميد [عن مجاهد]: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] قال: لا تستكثر عملك (4).
وروى سعيد بن منصور، وغيره عن إبراهيم النخعي في قوله:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]: لا تعطي شيئاً لتعطى أكثر منه (5).
(1) رواه الطبري في "التفسير"(29/ 145)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3382).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 326).
(3)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 327).
(4)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 327)، ورواه عبد الرزاق في "التفسير"(3/ 328) عن الحسن بمعناه.
(5)
ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(4/ 513)، والطبري في "التفسير"(29/ 148).
{وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 7] قال: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك، واصبر حتى يكون هو يثيبك (1).
قلت: في الآية إشارة إلى أن من كلف بالإنذار وما بعد يبتلى، فيحتاج إلى الصبر، ولذلك أمر به آخراً.
ونظيره قول لقمان لابنه: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17].
ثم كان من أول ما بينه صلى الله عليه وسلم أول ما يكون في اليوم الآخر من نفخ الصور، فقال تعالى:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر: 8]، وهو الصور كما أخرجه المفسرون عن ابن عباس، وغيره (2).
{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ} [المدثر: 9، 10] بيَّن أن يوم القيامة آتٍ، وأول هول فيه النفخ في الصور، والنقر في الناقور، وإنما عسره إنما هو على الكافر خاصة، وهو الذي ارتكب ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بخلافه من أحوال أهل الجاهلية، وإنما ينجو من عسره وهوله المؤمن الذي نفعته نذارة النبي صلى الله عليه وسلم، واتبعه على ما هو عليه.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما نزلت: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر: 8]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صاحِبُ الْقَرْنِ - يَعْنِي الصُّور - حَنَى جَبْهَتَهُ يَنتظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ"؟
(1) ورواه الطبري في "التفسير"(29/ 150).
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(29/ 151)، وذكره البخاري (5/ 2388) معلقاً.