الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
201 - ودلت قصة لاجب وامرأته على أن من أعمال بني إسرائيل:
تشبه النساء بالرجال كعكسه، وعدم احتجاب النساء منهم، وإتلاف النفس أو العضو بغير حق، بل بمجرد الرأي والقوانين الموضوعة على غير شرع كقتل من سب الملك، ومثل قطع يد من مزق ثوب جندي، أو ضربه، وأن الجندي إذا قتل من الرعية فحده قطع جامكيته، وإخراج منصبه عنه، والزور، وإقراره، والعمل به خصوصًا في قتل النفوس، وغصب عقارات الناس، وإيذاء الجيران.
وكل ذلك من القبائح ومن أعمال الجبارين.
202 - ومن أخلاق اليهود والنصارى: الاحتفال لأعيادهم
.
ولكل أمة عيد يحتفلون فيه، فجعل الله تعالى لهذه الأمة عيدين في كل عام، وعيد في كل أسبوع ليحتفلوا بأعيادهم، ولا يحتفلوا بأعياد غيرهم.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي -وهو حديث صحيح على شرط مسلم- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال:"ما هذانِ الْيَومانِ؟ ".
قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية.
فقال رسول اللهِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُما؛ يَوْمَ الأَضْحَى، وَيوْمَ الفِطْرِ"(1).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 103)، وأبو داود (1134)، والنسائي (1556).
وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "هَذا يَوْمُ عِيْدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِيْنَ"(1)؛ يعني: يوم الجمعة.
فينبغي للمؤمن أن لا يحتفل بغير هذه الأعياد الثلاثة، ولا يتخذ غيرها عيداً -سواء كان ذلك على سبيل الابتداع، أو على سبيل المشاركة لأهل الذمة في أعيادهم- لأنَّ من تشبه بقوم فهو منهم.
وقد ألَّف العلماء في ذلك مؤلفات، ونحن نورد هنا ما فيه مَقْنعَ في ذلك.
قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72].
قال ابن عباس: أعياد المشركين. رواه الخطيب (2).
وقال الضحَّاك مثله (3).
وقال عمرو بن مُرَّة رحمه الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} : لا يُمالئون أهل الشرك على شركهم، ولا يخالطونهم (4). رواهما أبو الشيخ الأصفهاني في "شروط أهل الذمة".
(1) رواه ابن ماجه (1098)، وحسن المنذري إسناده في "الترغيب والترهيب"(1/ 286).
(2)
رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(12/ 13).
(3)
ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2737).
(4)
ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2737).
وقال ابن سيرين: هو الشعانين؛ يعني: أعياد النصارى (1).
وقال مجاهد، والربيع بن أنس: أعياد المشركين (2). رواهما أبو بكر الخلال في "الجامع".
وقال قتادة {لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، ولا يمالئونهم (3).
وقال عمرو بن قيس المُلائي في قوله: {لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} : مجالس السوء (4). رواهما ابن أبي حاتم.
حملا الزور على ما هو أعم من أعياد المشركين، وهو مجالس المشركين (5).
وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: دخل عليَّ أبو بكر رضي الله تعالى عنه وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما قالت به الأنصار يوم بعاث، وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر رضي الله
(1) ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2737).
(2)
انظر: "تفسير ابن أبي حاتم"(8/ 2737)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (6/ 109).
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2736).
(4)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2737).
(5)
في "أ": "على ما هو أعم من أعياد المشركين وهو أعياد المشركين".
ولعل الصواب: "على ما هو أعم من أعياد المشركين وهو مجالس المشركين".
تعالى عنه: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك يوم عيد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أَبا بَكْرٍ! إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيْدًا، وَهَذا عِيْدُنَا".
وفي رواية: "وَإنَّ عِيْدَنا هَذا اليَوْمُ"(1).
ففي الحديث إشارة إلى أن لكل قوم عيدًا يختص بهم، فأعياد أهل الكتاب خاصة بهم، وأعيادنا خاصة بنا، وأن عيد أهل الإِسلام محصور في جنس ذلك اليوم، وهو ما كان عيدًا شرعيًا، فليس لأحد أن يتخذ عيدًا لم يرد به الشرع الشريف.
وتقدم حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في صوم يوم السبت والأحد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّهُما يَوْما عِيْدٍ للْمُشْرِكِيْنَ، فَأُحِبُّ أَنْ أُخالِفَهُمْ".
وروى البيهقي بإسناد صحيح، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا تعلَّموا رَطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم.
وروى بإسناد صحيح، عنه أيضًا أنه قال: اجتنبوا أعداء الله في عيدهم (2).
ونقل الإمام أبو الحسن الآمدي عن الإمام أحمد: أنه نصَّ على أنَّه لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود احتجاجًا بالآية المتقدمة.
(1) رواه البخاري (909)، ومسلم (892).
(2)
رواهما البيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 234).
قال: فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره. نص عليه أحمد رضي الله تعالى عنه (1).
ونص الحافظ الذهبي على تحريم مشاركة المسلمين في أعيادهم، وألَّف في ذلك مؤلفًا.
ونصَّ بعض علماء الحنفية على أن ذلك كفر، وبالغوا في التنفير من ذلك (2).
قال ابن الحاج في "المدخل" نقلًا عن "مختصر الواضحة": سُئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي يركب فيها النصارى لأعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم لشركهم الذي اجتمعوا.
قال: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له، ورآه من تعظيم عيده، وعوناً له على مصلحة كفره؛ ألا ترى أنه لا يجمل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحماً، ولا إداماً، ولا ثوبًا، ولا يعارون دابة، ولا يعانون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، وعونهم على كفرهم؟
قال: وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، ولم أعلمه اختلف في ذلك.
(1) انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية (ص: 201).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 442)، و"سبل السلام" للصنعاني (2/ 70).
ثم ذكر ابن الحاج أن مشاركة المسلمين لأهل الكتاب في الأعياد يزيدهم طغياناً، ويؤدي بهم إلى الغبطة والظن أنهم على حق (1).
واعتبر ابن تيمية في كتاب له سمَّاه "الصراط المستقيم" تحريم مشاركتهم في عيدهم من وجوه:
أحدها: أن الأعياد من جملة المناهج والمناسك، بل الأعياد أخص ما تتميز به الشرائع.
وقد قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].
وقال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج: 67].
فالموافقة في العيد موافقة في النسك.
الثاني: أنَّ ما يفعله المشركون في أعيادهم معصية لأنه إما بدعة، وإما منسوخ، وكلاهما لا يجوز الأخذ به.
الثالث: أنه متى سوِّغ للمسلمين القليل من مشاركتهم في الأعياد أدى إلى فعل الكثير، وإذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسَوا أصله، وقد يؤدي ذلك بهم إلى مضاهاتهم عيد الكفر بعيد الإِسلام، واختلاط الأديان؛ والعياذ بالله.
الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك أمته إلا وقد أكمل لهم دينهم، فاتخاذ أعياد الكفار عيدًا لم يوافق أصلًا من أصول الدين المحمدي،
(1) انظر: "المدخل" لابن الحاج (2/ 47).
بل مصادمة له، فيجب التنزه عنها.
الخامس: أن مشاركتهم في أعيادهم يوجب سرور قلوبهم، وابتهاجها بما هم عليه من الباطل، فيكون ذلك سببًا لدوامهم على ذلك، بل ولطمعهم في ضعفاء الخلق.
السادس: أن ما يفعلونه في أعيادهم بعضه كفر، وبعضه منهي عنه، وبعضه مباح، والتمييز بين ذلك مما يخفى على العامة، فتعين اجتناب الكل حسماً للمادة.
ولو فعل من مباحات ذلك من ينسب إلى العلم شيئًا فربما ظن الناس من فعله إباحة فعل الكل، فوجب على العالم اجتناب كل ذلك.
السابع: أن المشابهة تدل على التفاعل في الأخلاق والصفات، والموافقة في الهَدي الظاهر توجب مناسبة وائتلافًا، فربما أدى الدخول معهم في أعيادهم إلى اكتساب شيء من أخلاقهم واعتقاداتهم.
الثامن: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة وموالاة.
وقد قال الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22](1).
(1) انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية (ص: 198 - 215)، وقد ذكره المصنف مختصرًا.