الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حيث إنه عيد للنصارى كما ذكره ابن الحاج عن أهل مصر أنهم كانوا يزفون عيدان القصب والفواكه وعليها الشموع موقدة، وكانوا يتهادون فيها أطنان القصب (1).
4 - ومن ذلك: احتفال أهل مصر بعيد الزيتونة
؛ فإن النصارى تخرج فيه إلى بئر البلسم بالمطرية، فيغتسلون منها، وربما قلدهم في ذلك بعض المسلمين، كما ذكره ابن الحاج أيضًا (2).
5 - ومن ذلك: ما يفعله النساء من الامتناع عن شراء السمك وأكله يوم السبت
.
وقد علمت مما تقدم أن ذلك كان مخصوصًا باليهود.
وكذلك امتناعهن عن دخول الحمام، ويتركن الصلاة بسبب ذلك، ولا يبالين.
وكذلك لا يشترين فيه الصابون والسِّدر ونحوهما، ولا يغسلن فيه الثياب.
وهذه كلها من خصال اليهود كما قال في "المدخل"(3).
ولعل ذلك في مصر وما والاها لأنها كانت بلده.
نعم ربما تحرَّج نساء البلاد الشامية عن غسل الثياب يوم الجمعة،
(1) انظر: "المدخل" لابن الحاج (2/ 59).
(2)
انظر: "المدخل" لابن الحاج (2/ 60).
(3)
انظر: "المدخل" لابن الحاج (1/ 279).
وهو شبيه بتحرج اليهود عن الأشغال يوم السبت، وكذلك من الرجال من يمتنع عن الصنائع والتجارة يوم الجمعة تعظيماً لليوم، وهذا إن كان أول النهار للغسل والتنظيف، والطيب، والتبكير للجمعة فهو موافق للسنة، وأما بعد الصلاة فالانتشار فيه للابتغاء من فضل الله أولى كما فعله بعض السلف.
فأمَّا التحرج عن الاحتراف والشغل حتى يراه كأنه واجب عليه فهو شبيه بحال اليهود بالنسبة إلى يوم السبت، والنصارى بالنسبة إلى يوم الأحد إذا قعد بطّالًا، ولم يشتغل بأوراد يوم الجمعة من ذكر وقراءة، وصلاة وسلامٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل كان معيلًا لا يكتفي، ولا يكفي عياله إلا من حرفته التي لا اعتراض في الشرع عليه فيها، وترك الحرفة يوم الجمعة في غير وقت الصلاة تعظيمًا ليوم الجمعة، مع علمه بأن ترك الحرفة ذلك اليوم يضر بعيلته ولو في انتقاص بعض حقوقهم، فهو آثم لقوله صلى الله عليه وسلم:"كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَمُوْنُ"(1).
فإن كان يحتج بتعظيم يوم الجمعة في البطالة، ثمَّ يذهب إلى بيوت القهوات ونحوها من المفترجات وأماكن اللهو فهو ممقوت عند الله تعالى.
ويتفق ذلك لكثير من الناس في هذه الأعصار، وبلغني عن أهل
(1) رواه أبو داود (1692) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وعنده:"من يقوت" بدل "من يمون".
حلب أنهم اعتادوا أن يخرجوا للمتنزهات يوم الجمعة يتحرون ذلك، وهي عادة قبيحة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما تخصيص يوم الجمعة بالتعظيم والتبجيل من حيث الاهتمامُ فيه بالقراءة لا سيما سورة الكهف، وسورة الدخان، وقراءة {الم} السجدة، و {هَلْ أَتَى} [الإنسان: 1]، في صبحها، وسائر أنواع الذكر والعبادة شكرًا لله تعالى على هدايته إياه ليوم الجمعة، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب تعظيم شعائر الدين، والتشبه بالعباد الصالحين إلا ما استثناه الشرع من تخصيص يوم الجمعة بصيام وليلتها بقيام.
وقد روى الإمام أحمد عن ابن سيرين قال: أنبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لو نظرنا يومًا فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا، فقالوا: يوم السبت، ثمَّ قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا: يوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العروبة، وكان يسمون يوم الجمعة: يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي أسامة أسعد بن زرارة، فذبحت لهم شاة، فكفتهم (1).
فانظر كيف كان الاجتماع على الذكر والشكر تغلي به قلوب الأنصار ألهمهم الله تعالى أن يكون يوم الجمعة، وهداهم الله، وهو اليوم الذي أضلته اليهود والنصارى، وهدى الله هذه الأمة إليه كما في الحديث، لا يوم السبت ولا يوم الأحد فراراً من مشابهة أهل الكتاب،
(1) ورواه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 159).
ثمَّ فرض الله تعالى عليهم الجمعة، فوافقت خواطرهم لما هو مخبوء لهم في علم الله تعالى.
ولقد قال بعض أكابر العارفين: من علامة توفيق العبد أن يلهمه الله تعالى نوعًا من الخير، ثمَّ يجده موافقا للأثر، وكذلك اتفق للأنصار رضي الله عنهم في قصتهم هذه، ولله الحمد.
* تنبِيْهٌ:
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]؛ أي: يعرضون عن أهله لا يكلمونهم؛ قاله السدي (1).
أو: إذا أُوذوا صَفَحوا؛ قاله مجاهد (2).
رواهما ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
وقال إبراهيم بن ميسرة رضي الله عنهما: بلغني أنَّ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرَّ بلهو معرضاً ولم يقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ أصْبَحَ ابنُ مَسْعُودٍ كَرِيْماً" ثُمَّ تَلا إبراهيم: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].
رواه ابن أبي حاتم، وابن عساكر (3).
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2740)، وكذا ابن أبي الدنيا في "مداراة الناس" (ص: 40).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2740)، وكذا ابن أبي الدنيا في "مداراة الناس" (ص: 40)، والطبري في "التفسير"(19/ 49).
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2739)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(33/ 128).
فالكرم هو الإعراض عن اللغو، واحتمال الأذى.
ولنا في المعنى هذا البيت: [من الرَّمل]
أَعْرِضُوا عَنْ كُلِّ لَغْوٍ واسْتَقِيْمُوا
…
إِنَّ مَنْ يُعْرِضُ عَنْ لَغْوٍ كَرِيْمُ
قال الحسن: اللغو كل المعاصي. رواه ابن جرير (1).
قلت: أو ما يجر إليها مما لا يعني العبد.
فمن الكرم الإعراض عن الغيبة والنميمة، والأحاديث التي تبثها للناس مما لا غرض فيه صحيح، ومحاباة الناس، وكثير المزاح، وما يضحك، واستماع الملاهي، واللعب، والشعبذة، ومهارشة الكلاب، وترقيص الحيوانات، والرقص، والحباط، والسخرية، وخيال الظل، وغير ذلك مما يكتب في سيئات العبد، بل ربما لا يكتب في حسناته.
ولقد أثنى الله تعالى على مؤمني أهل الكتاب بالإعراض عن اللغو معرِّضًا بمن سواهم ممن يخوض فيه، ولا يعرض عنه، فقال تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 52 - 55].
(1) رواه الطبري في "التفسير"(19/ 50).