الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلُ
اعلم أن من كان متحلياً بهذه الأوصاف الجميلة نشهد له بالإيمان، ولا نشهد على من اتصف بأضدادها بالنفاق مهما كان مقراً بالشهادتين؛ لأن النفاق أمر باطني لم نطلع عليه.
نعم، نقول إذا ارتكب كبيرة، أو أصر على صغيرة وهو مقر بالشهادتين: هو فاسق، ولا نقول: منافق.
ولكن هذه الأعمال القبيحة والأفعال السيئة أماراتٌ على النفاق مَظِنَّاتٌ له، وعلى كل مؤمن أن يتفقد قلبه كلما حصلت منه زلة، فيتنزه عنها خشية أن يركن إليها، وتسترسل فيها نفسه، فتكون عاقبته إلى النفاق؛ والعياذ بالله! وتأمل قوله تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75 - 77].
ألا ترى أن أصل زلة هؤلاء حب الدنيا؟
وحب الدنيا رأس كل خطيئة، فركنوا إلى حب الدنيا ومالوا إليها، وزين لهم أنهم إذا حصلت لهم وكثرت لديهم تصدقوا بها، وكانوا صالحين في التصرف بها، ولم يتدبروا عواقبها ويحذروا نوائبها، فحملهم الطيش على طلبها من الله عز وجل معاهدين له أن يتصدقوا ويكونوا صالحين، فلما أوتوها ابتلوا بحبها لأن طلبهم لها كان عن هوى وشهوة، ولم يكن عن حاجة وضرورة، فبخلوا بها، ثم آل بهم البخل إلى النفاق.
ومن ثم كان السلف الصالحون يخافون على أنفسهم النفاق كثيرًا كما تقدم، وكانوا يرون أن الخوف من النفاق علامة البراءة منه لأن العبد لا يخلو من معصية ما، والمعصية قد تجر إلى النفاق كما علمت، بل قد تدعو إلى التجاهر بالكفر؛ والعياذ بالله!
والدليل على ذلك قوله تعالى في اليهود: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)} [البقرة: 61].
فقوله: {ذَلِكَ} [البقرة: 61] أي: الذل، والبواء بالغضب إنما حصل لهم بسبب أنهم كانوا يكفرون بالآيات، ويقتلون الأنبياء عليهم السلام.
وقوله: {ذَلِكَ} [البقرة: 61] ثانياً؛ أي: الكفر، وقتل الأنبياء؛ إنما كان معهم بسبب العصيان والعدوان على غير الأنبياء.
كانوا يستخفون المعصية فيما بينهم وبين الله تعالى، والتعدي على أداني الناس حتى صار ذلك لهم عادة ودَيدناً، فاسترسلوا في العصيان والعدوان حتى هان عليهم الكفر بآيات الله، فكفروا بها، فصغُر عندهم التعدي على الأنبياء حتى تجرؤوا عليهم، فقتلوهم.
والحاصل: أن العبد إذا تعاطى المكروه، وتكرر منه استجره إلى الصغيرة، فإذا فعلها وتكررت منه استجر إلى غيرها من المعاصي، ثم إلى الوقوع في الكبائر، ثم إلى الكفر والنفاق نعوذ بالله منها، وسبب ذلك غفلة العبد عن تفقد أحوال نفسه في كل وقت، وعدم الخوف على نفسه من النفاق، واغتيال القلب والتهاون بما يفعله من الذنوب، وعدم التدارك بالتوبة والاستغفار، وذلك كله خذلان من الله تعالى؛ إذ هو المقلب للقلوب، والمصرف لها، فهو الذي يلقي الغفلة عليها، ويقلبها ويصرفها كيف يشاء.
ومن ثم استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من النفاق وكان يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقاقِ، وَالنِّفاقِ، وَسُوءِ الأَخْلاقِ". رواه أبو داود، والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (1).
وروى الحكيم الترمذي في "النوادر"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"، والخطيب عن أم معبد الخزاعية رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِيَ مِنَ النِّفاقِ،
(1) رواه أبو داود (1546)، والنسائي (5471).