الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَلِّ النِّفاقَ وَأَهْلَهُ
…
وَعَلَيْكَ فَانتُهِجِ الطَّرِيقا
وَارْغَبْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرى
…
إِلَاّ عَدُوًّا أَوْ صَدِيقاً (1)
وقال منصور الفقيه: [من مجزوء الكامل المرفل]
الصِّدْقُ أَوْلَى ما بِهِ
…
دانَ امْرُؤٌ فَاجْعَلْهُ دِينا
وَدعِ النِّفاقَ فَما رَأَيْ
…
ـتُ مُنافِقاً إِلَاّ مَهِيناً (2)
*
تَنْبِيهٌ:
ليس دخول الإنسان فيما يباح له من التمتعات الدنيوية من النفاق في شيء ما دام يرجع إلى الله عز وجل في أوقات الطاعة، ولكن مهما أمكن الإنسان أن يصرف مباحاته إلى الطاعات بالنية، وتأخر عن ذلك، كان تأخره قصوراً ولو كان في مقام الأبرار لأن حسنات الأبرار سيئات عند المقربين (3)؛ أي: يرى الوقوف في مقام البر عن الترقي فيه بالنية وتكثير المنويات، أو عن الترقي إلى أفضل منه سيئة، كما يروى: كل يوم لا أزداد فيه هدى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم (4).
والسيئة قد تجر إلى أسوأ منها؛ فإن غفل العبد عن نفسه، وطالت به الغفلة يوشك أن تفضي به الغفلة -والعياذ بالله- إلى النفاق.
(1) انظر: "المجالسة وجواهر العلم" للدينوري (ص: 419).
(2)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 575).
(3)
تقدم الكلام عليه.
(4)
تقدم بمعناه.
ومن ثم خاف حنظلة وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يكون دخولهم في المباحات نفاقاً لأنهم كانوا يحملون أنفسهم على الاحتياط والعزائم لتوغلهم في محبة الله تعالى، وإقبالهم على طاعته وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملهم على الرخصة تلطفاً بهم ورفقاً، ويقول:"إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزائِمُهُ"(1).
روى مسلم عن حنظلة بن الربيع الأسيدي قال: لقيني أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة.
فقال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكِّرنا الجنة والنار كأنَّا رأيَ عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافَسْنا الأزواج، والأولاد، والضيعات؛ نسينا كثيراً.
قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: إنَّا لنَلْقى مثل هذا.
فانطلقت أنا وأبو بكر رضي الله تعالى عنه حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَما ذاكَ؟ "
قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا الجنة والنار كأنا رأي
(1) تقدم تخريجه.
عينٍ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات؛ نسينا كثيراً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَالِّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومونَ عَلى ما تَكُونُونَ عِنْدِيَ وَفِي الذِّكْرِ لَصافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلى فُرُشِكُمْ وَطُرُقِكُمْ، لَكِنْ يا حَنْظَلَةُ ساعةً وَساعةً"؛ ثلاث مرات (1).
والمعافسة: المعالجة.
وفي رواية عن حنظلة رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا، فذكر النار، قال: ثم جئت البيت فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، قال: فخرجت، فلقيت أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فذكرت له ذلك، فقال: وأنا فعلت مثلما تذكر، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة.
فقال: "مَهْ؟ "
فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: وأنا قد فعلت مثل ما فعل.
فقال: "يا حَنْظَلَةُ! ساعَةً وَساعَةً، لَوْ كانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَما تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ"(2).
(1) رواه مسلم (2750).
(2)
وهذه الرواية عند مسلم (2750).
وروى أبو يعلى -ورواته ثقات- عن أنس رضي الله عنه قال: غدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة.
قال: "وَما ذاكَ؟ " قالوا: النفاق، النفاق.
قال: "ألسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ "
قالوا: بلى.
قال: "لَيْسَ ذاكَ النِّفاقَ".
ثم عادوا الثانية؛ قالوا: يا رسول الله! فذكر مثله سواء.
ثم عادوا الثالثة: فقالوا يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة.
قال: "وَما ذاكَ؟ " قالوا: إنا إذا كنا عندك كنا على حالة، فإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا.
قال: "لَوْ أَنَّكُمْ إِذا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِيَ تَكُونونَ عَلى الْحالَةِ الَّتِي تَكُونُونَ عَلَيْها لَصافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ بِطُرُقِ الْمَدِينَةِ"(1).
والله الموفق.
***
(1) رواه أبو يعلى (3304)، وكذا الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (1762). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 310): رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير غسان بن برزين، وهو ثقة.