الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَعَمَلِيَ مِنَ الرَّياءِ، وَلِسانِيَ مِنَ الْكَذِبَ، وَعَيْنِيَ مِنَ الْخِيانَةِ؛ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصّدُورُ" (1).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى: إن النفاق ليغتال قلب المؤمن اغتيالاً.
*
تَنْبِيهٌ:
روى الطبراني بسند صحيح، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه حرملة بن زيد فجلس بين يدي رسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! الإيمان هاهنا -وأشار إلى لسانه- والنفاق هاهنا -وأشار إلى صدره- ولا نذكر الله إلا قليلاً.
فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فردد ذلك عليه حرملة رضي الله عنه، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بطرف لسان حرملة، فقال:"اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ لِساناً صادِقاً، وَقَلْباً شاكِراً، وَارْزُقْهُ حُبِّيَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّنِي، وَصَيِّرْ أَمْرَهُ إلى الْخَيْرِ".
فقال حرملة رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! إن لي إخواناً منافقين كنت فيهم رأساً، ألا أدلك عليهم؟
(1) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(2/ 227)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"(6/ 3559)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/ 267). قال ابن حجر في "الإصابة" (8/ 309): قال ابن السكن: في إسناده نظر، وهو كما قال، فإنه من رواية فرج بن فضالة، عن ابن أنعم وهما ضعيفان.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جاءَنا كَما جِئْتَ اسْتَغْفَرْنا لَهُ، وَمَنْ أَصَرَّ عَلى ذَنْبِهِ فَاللهُ أَوْلَى بِهِ، وَلا نَخْرِقُ عَلى أَحَدٍ سِتْراً"(1).
قلت: فينبغي لمن عرف من نفسه النفاق، أو ظنه فيها، أو وجد من نفسه خلقاً من أخلاق المنافقين أن يتوب إلى الله تعالى كما تاب حرملة؛ فإن توبته من خالص قلبه وكان صادقاً فيها، وهذا هو حقيقة التوبة النصوح، فلما كان من الصدق بهذه المرتبة أكرمه الله تعالى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: "لا نَخْرِقُ عَلى أَحَدٍ سِتْراً" إشارة إلى أنه من تاب إلى الله تعالى من ذنب لا ينبغي له أن يفضح من هو عاكف عليه، ولا يكشف عنه ستره، بل ينصحه.
ثم إني رأيت في قوله صلى الله عليه وسلم لحرملة: "مَنْ جاءَنا كَما جِئْتَنا اسْتَغْفَرْنا لَهُ" حيث لم يقيد المجيء بالظرف بأن يقول: من جاءنا من إخوانك، أو منهم إشارة إلى حصول تلك السعادة لكل من جاء النبي صلى الله عليه وسلم من أمته في حال حياته صلى الله عليه وسلم وبعد مماته تائباً مستغفراً؛ فإنه حي في قبره.
وهذا يوضحه غاية الإيضاح قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)} [النساء: 64].
(1) رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(3475). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(9/ 410): رجاله رجال الصحيح.
ومن ثم استحسن العلماء من أصحابنا وغيرهم من أصحاب المناسك من جميع المذاهب لزائر قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ما روي عن محمد العتبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول -وفي رواية: يا خير الرسل- إن الله أنزل عليك كتابًا صادقاً قال فيه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ (64)} [النساء: 64] الآية، وقد جئتك مستغفراً لذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم بكى وأنشد:[من البسيط]
يا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ فِي القاعِ أَعْظُمُهُ
…
فَطابَ مِنْ طِيْبِهِنَّ القاعُ وَالأَكَمُ
نَفْسِي الْفِداءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ ساكِنُهُ
…
فِيهِ الْعَفافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
قال: ثم استغفر وانصرف، فحملتني عيناي، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشره بأن الله قد غفر له، فخرجت خلفه فلم أجده (1).
(1) ذكر القصة كثيرون عن العتبي دون سند، كالماوردي في "الأحكام السلطانية" (ص: 124)، وابن قدامة المقدسي في "المغني"(3/ 298).
وروى القصة البيهقي في "شعب الإيمان"(4178) عن أبي حرب الهلالي.
قال ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي"(ص: 337 - 338): وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب "شعب الإيمان" بإسناد مظلم، وقد وضع لها بعض الكذابين إسناداً إلى علي بن =
وعندي أن من أراد أن يتنصل من ذنبه فتمام توبته أن يتوجه بقلبه إلى روح النبي صلى الله عليه وسلم حيثما كان من الأرض مهما لم يمكنه إتيان قبره الشريف، فذلك ما يمكنه من المجيء إليه، ثم يستغفر ويرجو من النبي صلى الله عليه وسلم شفاعته له في حصول المغفرة من الله تعالى؛ فإن لذلك تأثيراً عظيماً في حصول المقصود كما قلت:[من الوافر]
إِذا قارَفْتَ ذَنْباً ثُمَّ أَمْسى
…
فُؤادُكَ مِنْ نَدامَتِهِ كَئِيباً
وَرُمْتَ سَلامَةً وَنَجاحَ أَمْرٍ
…
بِخالِصِ تَوْبَةٍ تَمْحُو الذُّنُوبا
فَوَجِّهْ وَجْهَ قَلْبِكَ نَحْوَ طَهَ
…
فَإِنَّكَ سَوْفَ تَلْقَاهُ قَرِيباً
وَكُنْ مُسْتَغْفِراً مِمَّا جَنَتْهُ
…
يَداكَ وَتُبْ وَمَنْ لَكَ أَنْ تَتُوبا
فَإِنَّكَ سَوْفُ تُبْصِرُهُ شَفِيعًا
…
وَتُبْصِرُ رَبَّنا الأَعْلى مُجِيباً
عَلَيْهِ صَلاتُنا فِي كُلِّ وَقْتٍ
…
تَعُمُّ الْكَوْنَ تَعْطِيرًا وَطِيْباً
وَسِيْلَتُنا إِلَى الرَّحْمَنِ طَهَ
…
فَأَكْرِمْ بِالنَّبِيِّ لَنا حَبِيْباً
= أبي طالب رضي الله عنه، وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به حجة وإسنادها مظلم مختلف، ولفظها مختلف أيضًا، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم.