الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُتَنَحِّلًا أَمْرًا لِغَيْرِكَ فَضْلُهُ
…
فَارْحَلْ فَإِنَّ الْفَضْلَ لِلْبَزَّارِ
مَنْ كانَ مِنْكُمْ سَيِّدًا فِيما مَضَى
…
إِنَّ الْخِيارَ هُمْ بَنُو الأَخْيارِ
فَاقْصِدْ لِقَصْدِكَ يا مُنَكَّرُ إِنَّما
…
كانَ الْمُجِيرُ مُهَلْهِلَ بْنَ دِثارِ
فقال الشيخ: صدقت، كان أبوك سيدنا وأفضلنا، دع هذا الرجل لا أنازعك بعده أحدًا، فتركه، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقص عليه القصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِذا أَصابَ أَحَدًا مِنْكُمْ وَحْشةٌ، أَوْ نزَلَ بِأَرْضٍ مِجنةٍ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلا فاجِرٌ مِنْ شَرِّ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها، وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ، وَمِنْ طَوارِقِ النَّهارِ إِلَاّ طارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ".
وأنزل في ذلك: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6](1).
76 - ومن أخلاق أهل الجاهلية: الاستمطار بالأنواء، واعتقاد أنها ممطرة حقيقة، وقولهم: مُطرنا بنَوء كذا
.
قال الله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} ؛ أي: شُكْرَ رزقِكم {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82].
(1) كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(8/ 299) إلى أبي نصر السجزي في "الإبانة"، ثم قال: قال أبو نصر: غريب جدًا، لم نكتبه إلا من هذا الوجه.
وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] قال: "شُكْرَكُمْ؛ يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، وَبِنجْمِ كَذا"(1).
وقال عبد الرحمن السُّلمي: قرأ علي رضي الله تعالى عنه الواقعة في الفجر فقال: وتجعلون شكركم أنكم تكذبون، فلما انصرف قال: إني قد عرفت أنه سيقول قائل: لم قرأها هكذا؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كذلك؛ كانوا إذا مطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: وتجعلون شكركم أنكم إذا مطرتم تكذبون. رواه ابن مردويه (2).
قال عوف: بلغني أن مشركي العرب كانوا إذا مطروا في الجاهلية قالوا: مطرنا بنوء كذا. رواه عبد بن حميد (3).
وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شاكِرٌ وَمِنْهُمْ كافِرٌ؛ قالُوا: هَذهِ رَحْمَةٌ وَضَعَها اللهُ تَعالَى، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا"، فنزلت هذه الآيات:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 89)، والترمذي (3295) وقال: حسن غريب صحيح.
(2)
انظر: "الدر المنثور"(8/ 30).
(3)
انظر: "الدر المنثور"(8/ 30).
حتى بلغ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 75 - 82](1).
قال شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: إن قال مسلم: مطرنا بنوء كذا مريدًا أن النَّوء هو الموجد والفاعل المحدث الممطر، صار مرتدًا بلا شك، وإن قال مريدًا أنه علامة لنزول المطر، فنزل المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله تعالى وخلقه، لم يكفر.
واختلفوا في كراهته، والمختار أنه مكروه لأنه من ألفاظ الكفار، وهذا ظاهر الحديث، ونص عليه الشافعي في "الأم"(2)، وغيره؛ والله تعالى أعلم (3).
وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَمْسَكَ اللهُ الْمَطَرَ عَنِ النَّاسِ سَبع سِنِينَ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ لأَصْبَحَتْ طائِفَةٌ كافِرِينَ يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ"؛ يعني: الدبران (4).
وهكذا في الحديث وقع تفسير المجدح بالدبران من الراوي، وهو - بالتحريك -: منزل من منازل القمر.
وفي "القاموس": إنه الدبران، أو نجم صغير تحته، والثريا، وهو كمنبر، وبضم الميم منه (5).
(1) رواه مسلم (73).
(2)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (1/ 252).
(3)
انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 145).
(4)
رواه النسائي (1526)، وكذا ابن حبان في "صحيحه"(6130).
(5)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 275)(مادة: دبر).
والحديث يحتمل وجهين:
الأول: أنه على سبيل الفرض إشارة إلى أن هذا الاعتقاد لا يخلو الناس أن يكون فيهم من يعتقده ويقوله.
والثاني: أن يكون فيه معجزة من حيث إنه إشارة أو إخبار بأنه أمر يأتي آخر الزمان بحبس المطر سبعًا، ثم يرسل فيقول قائل ذلك.
قال جابر السُّوائي رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أَخافُ عَلى أُمَّتِي ثَلاثًا؛ اسْتِسْقاءَكُمْ بِالأَنْواءِ، وَحَيْفَ السُّلْطانِ، وَتَكْذِيبًا بِالْقَدَرِ". رواه ابن جرير (1).
وأخرجه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه:"ثَلاثٌ أَخافُ عَلى أُمَّتِي؛ الاسْتِسْقاءُ بِالأَنْواءِ، وَحَيْفُ السُّلْطانِ، وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ"(2).
وروى البخاري في "تاريخه" - وقال: في إسناده نظر - والطبراني في "الكبير"، وآخرون عن مصعب بن عبيد الله بن جنادة بن مالك
(1) انظر: "الدر المنثور"(8/ 31).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 89)، والطبراني في "المعجم الكبير"(1853)، وكذا ابن أبي عاصم في "السنة"(1/ 142)، والبزار في "المسند" (4288) وقال: لا نعلمه يروى من إلا من هذا الوجه، ومحمد ابن القاسم لين الحديث، وقد احتفل حديثه أهل العلم ورووا عنه.
قلت: وجابر بن سمرة هو السُّوائي، ولعل المصنف رحمه الله ظنهما اثنين، فكرر الحديث لذلك، والله أعلم.