الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحاصل كلامه في تقرير الاحتياج إلى العلم، ثمّ إنّه منع العوام عن الخوض في العلوم، والخواص عن مطالعة الكتب المتقدمة لئلا يطلعوا على فضائحهم، ثمّ إنهم تفلسفوا ولم يزالوا مستهزئين بالأمور الدينية والأحكام الشرعية حتّى أظهروا إسقاط التكليف، وأباحوا المحرمات، وصاروا كالحيوانات العجماوات بلا ضابط ديني، ولا وازع شرعي؛ نعوذ بالله من الضلالة والجهالة، ونسأله الصيانة في كلّ حال (1).
*
تَنْبِيهٌ:
من قبائح الرافضة في التّأويل ما نقله ابن قتيبة من قولهم في قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16]: إنَّ سليمان عبارة عن الإمام، ورث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقولهم في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]: إنها عائشة رضي الله تعالى عنها.
وفي قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ} [البقرة: 73]: إنّه طلحة، والزبير رضي الله تعالى عنهما.
وقولهم في الخّمْرِ والميسر: إنهما أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
والجبت والطاغوت: إنهما معاوية، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما (2).
(1) انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني (1/ 193 - 195).
(2)
انظر: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة (ص: 71).
في عجائب يُرغب عن ذكرها، ويرغب العاقل عن سمعها، ولا شك أن من هذا اعتقاده فهو كافر.
وروى اللالكائي عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أن عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت عند رجل فسبها، فقيل: أتسب أمك.
قال: ما هي أمي.
فبلغها فقالت: صدق؛ أنا أم المؤمنين، وأمّا الكافرون فلست لهم بأم (1).
ولما اطلع جماعة من السلف الصالح على قبائح الروافض الّتي تؤذن بالانحلال عن الدِّين كفروهم، ومنهم من جعلهم شرًا من اليهود والنصارى كما روي عن الشّعبيّ، وقد ذكر منه كلامه في: التشبه بأهل الكتابين.
وقال أحمد بن يونس: إنا لا نأكل ذبيحة رجل رافضي؛ كأنّه عنده مرتد (2).
وقال محمّد بن يوسف الفريابي: ما أرى الرافضة والجهمية إِلَّا زنادقة (3).
(1) رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السُّنَّة"(8/ 1436).
(2)
رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السُّنَّة"(8/ 1459).
(3)
رواه اللالكائي في "اعتقاد اْهل السُّنَّة"(8/ 1457).
ولقد أخرج التشيع والغلو فيه كثيرًا من الروافض عن حيز العقل، وأدخلهم في عداد أهل الحماقة والجهل كما يدلُّ على ذلك تأويلاتهم المشار إليها آنفًا.
ومن ذلك ما ذكره الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن أبي الحسين بن المظفر الحافظ، عن القاسم بن زكريا المطرز قال: وردت الكوفة نكتب عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب - وكان عباد شيعيًا - فلما فرغت دخلت إليه، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟
قلت له: الله خلق البحر.
قال: هو كذلك، ولكن من حفره؟
فقلت: يذكر الشّيخ.
فقال: حفره علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
ثمّ قال: من أجراه؟
قلت له: مجري الأنهار ومنبع العيون.
فقال: هو كذلك، ولكن من أجرى البحر؟
فقلت: يفيدني الشّيخ.
فقال: أجراه الحسين بن علي رضي الله عنه.
- قال: وكان عباد مكفوفًا، ورأيت في داره سيفًا معلقًا وحجفة - فقلت: أيها الشّيخ! لمن هذا السيف؟
فقال: لي، أعددته لأقاتل به مع المهدي.
قال: فلما فرغت من سماع ما أردت أن أسمعه منه، وعزمت على الخروج عن البلد، دخلت عليه، فسألني من حفر البحر، فقلت: حفره معاوية، وأجراه عمرو بن العاص، ثمّ وليت من بين يديه، وجعلت أمشي، وجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه (1).
ومما زعمه الروافض، ووافقهم عليه بعض سخفاء العقول ما أنكره ابن قتيبة، وغيره من أئمة الحديث قديمًا وحديثًا، ومن متأخريهم شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر العسقلاني ما ادعته طوائف منهم أنّهم يعلمون بعض المغيبات والأمور الباطنة ممّا وقع إليهم من الجفر المنسوب إلى سيدنا علي رضي الله تعالى عنه، وهو جلد جفر ادعوا أن عليًا رضي الله تعالى عنه كتب فيه كلّ ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، وقد ذكر هذا الجفر هارون بن سعد العجلي، وهو رأس الزيدية، فقال:[من الطويل]
ألمْ تَرَ أَنَّ الرَّافِضِينَ تَفَرَّقُوا
…
وَكُلُّهُمُ فِي جَعْفَرٍ قالَ مُنْكَرا
فَطائِفَةٌ قالُوا: إِمامٌ، وَمِنْهُمُ
…
طَوائِفُ سَمَّتْهُ النَّبِيَّ الْمُطَهَّرا
وَمِنْ عَجَبٍ لَمْ أَقْضِهِ جِلْدُ جَفْرِهِمْ
…
بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَنِ مِمَّنْ تَجَعْفَرا
بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَن مِنْ كُلِّ رافِضٍ
…
بَصِير بِبابِ الْكُفْرِ فِي الدِّينِ أَعْوَرا
(1) انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (14/ 179).
إِذا كَفَّ أَهْلُ الْحَقِّ عَنْ بِدْعَةٍ مَضَى
…
عَلَيْها وَإِنْ يَمْضُوا عَلى الْحَقِّ قَصَّرا
وَلَوْ قالَ إِنَّ الفيلَ ضَبٌّ لَصَدَّقُوا
…
وَلَوْ قالَ زُنْجِيٌّ تَحَوَّلَ أَحْمَرا
وَأَخْلَفُ مِنْ بَوْلِ الْبَعِيرِ فَإِنَّهُ
…
إِذا هُوَ للإقْبالِ وُجِّهَ أَدْبَرا
فقبِّحَ أَقْوام رَمَوْهُ بِفِرْيَةٍ
…
كَما قالَ فِي عِيسَى الفِرى مَنْ تَنَصَّرا (1)
ولم يكن حب الآل وموالاتهم [من] الرفض لولا هذه العظائم؛ فإن حب آل البيت رضي الله تعالى عنهم فرض واجب، كما أن حب الصّحابة رضي الله تعالى عنهم وقول الخير فيهم، والسكوت عما شَجَر بينهم كذلك.
ولقد كان الإمام الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه يوالي آل البيت، ويثني عليهم حتّى نسبته الخوارج إلى الرفض، وله فيهم رضي الله عنه وعنهم:[من مجزوء الكامل]
آلُ النَّبِيِّ ذَرِيعَتِي
…
وَهُمُ إِلَيْهِ وَسِيلَتِي
أَرْجُو بِهِمْ أُعْطَى غَدًا
…
بِيَدِي الْيَمِينِ صَحِيفَتِي
وقال ابن أبي حاتم: أنشدنا المزني قال: سمعت الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه ينشد: [من الطويل]
إِذا نَحْنُ فَضَّلْنا عَلِيًّا فَإِنَّنَا
…
رَوافِضُ بِالتَّفْضِيلِ عِنْدَ ذَوِي
(1) انظر: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة (ص: 70)، و"المجالسة وجواهر العلم" للدينوري (ص: 187).
وَفَضْلُ أَبِي بَكْرٍ إِذا ما ذَكَرْتُهُ
…
رُمِيتُ بِنَصْبٍ عِنْدَ ذِكْرِي
فَلا زِلْتُ وَالرَّفْضُ وَنصبٌ كِلاهُما
…
بِحُبِّهِما حَتَى أُوَسَّدَ فِي الرَّمْلِ (1)
أخبرنا شيخ الإسلام والدي: أن شيخي الإسلام أبا يحيى زكريا الأنصاري، وأبا إسحاق إبراهيم القلقشندي قالا: أنا العز عبد الرحيم ابن الفرات الحنفي، أنا قاضي القضاة تاج الدِّين عبد الوهّاب بن قاضي القضاة تقي الدِّين علي بن عبد الكافي السبكي، أنا أبي، أنا أحمد بن محمّد بن الحسن بن سالم الصواف بدمشق، أنا أبو الحسن علي بن الحسن بن محمّد بن عبد الصمد السخاوي، أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمّد السلفي، أنا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين الموازيني، عن القاضي أبي عبد الله محمّد بن سلامة بن جعفر القضاعي المصري كتابةً قال: قرأت على أبي عبد الرّحمن محمّد بن أحمد بن إسحاق الحلبي، قال: حدثني جدي محمّد وأحمد، قالا: سمعنا جعفر بن أحمد بن الرواس بدمشق، سمعت الربيع بن سليمان يقول: خرجنا مع الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه من مكّة يريد مِنَى، فلم ينزل واديًا، ولم يصعد شِعْبًا إِلَّا وهو يقول:[من الكامل]
يا راكِبًا قِفْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى
…
وَاهْتفْ بِقاعِدِ خِيْفِها وَالنَّاهِضِ
سَحَرًا إِذا فاضَ الْحَجِيجُ إِلَى
…
فَيْضًا كَمْلُتَطَمِ الفُراتِ العارِضِ
(1) وانظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (51/ 146).
إِنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ
…
فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أَنِّي رافِضِي (1)
وروى أبو نعيم عن مجاهد قال: شيعة علي رضي الله عنه: الحكماء العلماء، الذُّبل الشفاه، الأخيار، الذين يعرفون بالرهبانية من أثر العبادة (2).
وعن علي رضي الله عنه قال: " إنَّ ابنَي فاطمةَ رضي الله عنه اشترك فيه البرّ والفاجر، وإني كتب إلي وعهد إلي أني لا يحبك إِلَّا مؤمن، ولا يبغضك إِلَّا منافق (3).
والمراد بحبه أن لا يبلغ التلف والغلو.
وروى ابن عساكر عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا عَلِيُّ! إِنَّ الإِسْلامَ عُريانٌ، لِباسُهُ التَّقْوى، وَرِياشُهُ الْهُدى، وَزِينَتُهُ الْحَياءُ، وَعِمادُهُ الوَرَعُ، وَمِلاكُهُ العَمَلُ الصَّالِحُ، وَأَساسُ الإِسْلامِ حُبِّي وَحُبُّ آلِ بَيْتِي"(4).
وروى أبو نعيم في "فضائل الصّحابة" رضي الله تعالى عنهم، عن علي رضي الله تعالى عنه، وابن عساكر عنه، وعن حذيفة رضي الله عنه: أن
(1) انظر: "حلية الأولياء" لأبي نعيم (9/ 152)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (20/ 9).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 86).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 185)، وعنده: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن ابنتي فاطمة يشترك في حبها البرّ والفاجر
…
".
(4)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(43/ 241).
النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعلّي رضي الله عنه: "يا عَلِىُّ! إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَتَّخِذَ أَبا بَكْرٍ والِدًا، وَعُمَرَ مُشِيرًا، وَعُثْمانَ سَنَدًا، وَأَنْتَ يا عَلِيُّ ظَهْرًا، فَأَنْتُمْ أَرْبَعَة قَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَكُمْ فِي أُمِّ الْكِتابِ، لا يُحِبُّكُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُكُمْ إِلَّا فاجِرٌ، خَلائِفُ نُبُوَّتي، وَعَقْدُ ذِمَّتِي، وَحُجَّتِي عَلَى أُمَّتِي؛ لا تَقاطَعوا، وَلا تَدابَروا، وَتَغافَروا"(1).
وروى اللالكائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِن اللهَ تَعالَى اخْتارَ أَصْحابِيَ عَلى جَمِيعِ الْعالَمِينَ سِوى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَاخْتارَ لِي مِنْ أَصْحابِيَ أَرْبَعَةً؛ أَبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمانَ، وَعَلِيًّا، فَهَؤُلاءِ خَيْرُ أَصْحابِي، وَأَصْحابِي كُلُّهُمْ خَيْرٌ، وَاخْتارَ أُمَّتِي عَلى سائِرِ الأُمَمِ"(2).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَجْتَمعُ حُبُّ هَؤُلاءِ الأَرْبَعَةِ إِلَّا فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمانَ، وَعَلِيٍّ رضي الله عنه"(3).
(1) رواه أبو نعيم في "فضائل الخلفاء الراشدين"(ص: 363)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(14/ 29)، وكذا الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(9/ 345) عن علي رضي الله تعالى عنه، وقال: هذا الحديث منكر جدًا. وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(14/ 63) عن حذيفة رضي الله عنه.
(2)
رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السُّنَّة"(7/ 1243). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 16): رواه البزار، ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف.
(3)
رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السُّنَّة"(7/ 1242)، والإمام أحمد في "الورع" (ص: 81)، وعبد بن حميد في "المسند"(1464).
وعن أيوب السختياني رضي الله تعالى عنه قال: من أحب أبا بكر الصديق فقد أقام الدِّين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علي بن أبي طالب فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق (1).
* * *
(1) رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السُّنَّة"(7/ 1243).
فَصْلٌ
حيث ذكرنا لك هنا اعتقادات الفرق الهالكة لتكون حَذورًا من التشبه بهم في تلك الاعتقادات الفاسدة، فينبغي أن نذكر هنا عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة من السلف والخلف، وهم الفرقة الناجية، منهم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري رحمهم الله تعالى، وحشرنا في زمرتهم لتكون حريصًا على التشبه بهم في ذلك إمّا بطريق الاستدلال بالأدلة القاطعة إنَّ كنت من أهله، وإما بالاعتقاد الجازم الّذي لا يتداخله شك.
فنعتقد أن الله تعالى واجب الوجود، وقديم أزلي، لا ابتداء له، باقٍ أبديٌّ لا انتهاء له، وهو واحد لا ينقسم ولا يشبه بوجه، لا تشبه ذاته الذوات، ولا صفاته الصفات، ليس بجوهر، ولا جسم، ولا عرض لأنّها حوادث، وهو منزه عن الحدوث، والمكان، والزمان، وليس هو كغيره محلًّا للحوادث، ولا يحل في شيء، ولا هو في حيز ولا جهة، ولا تصح عليه الحركة والانتقال، ولا الجهل ولا الكذب، ولا شيء من صفات النقص، ولم يزل سبحانه موجودًا بأسمائه وصفات ذاته.
وهي: الحياة، والعلّم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام.
فهو حي، عليم، مريد، قدير، سميع، بصير، متكلم.
وهي صفات أزلية قائمة بذاته سبحانه.
وما ورد في الكتاب والسُّنَّة من مشكلات الصفات كالوجه، والعين، والطرف، والنظر، واليد، والروح، والنفس، والاستواء، والنزول نثبته؛ أي: نعتقد أنّه ثابت كما هو، ونؤمن به بما يظهر لنا من معناه، وما أشكل علينا واشتبه فوَّضنا علمه إلى الله تعالى كما هو مذهب السلف مع التنزيه له سبحانه عن ظاهره، وجهلُنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد منه مجملًا.
أو أولناه بما يليق بجلال الله تعالى كما هو مذهب الخلف.
قال الجد الرضي الغزي رحمه الله تعالى: والتسليم أسلم، والتأويل أحكم (1).
(1) قال ابن حجر في "فتح الباري"(13/ 352) - ناقلًا عن غيره -: قول من قال: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم، ليس بمستقيم؛ لأنّه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك، وأن طريقه الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له والخضوع لأمره والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الّذي يتأوله هو المراد، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله.
والقرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق، وهو محفوظ في صدورنا، مكتوب في مصاحفنا، مقروء بألسنتنا.
والله سبحانه وتعالى خلق العباد وأعمالهم، وهو غني عن العالمين، ولا خالق غيره.
والقدر منه سبحانه وتعالى خيره وشره، وكل شيء بقضاء وقدر حتّى العجز والكَيْس.
خلق هذا العالم البديع من غير حاجة منه إليه.
ولا يجب على الله تعالى شيء، بل هو فعال لما يريد، فإن أثاب الطائعين فمن فضله، وإن عاقب العاصين فبعدله إِلَّا أن يغفر بفضله ما دون الشرك ممّا يشاء من العباد، وله أن يثيب العاصي، ويعاقب المطيع، ويؤلم الطفل والدابة لأنّه لا يسأل عما يفعل (1)، ويستحيل وصفه بالظلم، والسعيد سعيد الأزل، والشقي شقي الأزل.
وقوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39]؛ أي: في اللوح المحفوظ.
{وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]؛ أي: أصله الّذي لا يغير منه شيء، كما قال ابن عبّاس، وغيره (2).
(1) ولحكم وأسرار لا يعلمها إِلَّا الله. وقد تكلم في هذه المسألةُ بكلمات جامعات، وفوائد فريدات العلّامة ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (ص: 273 - 276) فانظرها.
(2)
انظر: "تفسير الطّبريّ"(13/ 169).
والرضا والمحبة غير الإرادة والمشيئة، فهو الهادي والمضل حقيقة، لا يكون في ملكه إِلَّا ما يشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يجب لهم العصمة والتوفيق.
خلق قدره الطّاعة في العبد، وضده الخذلان، خلق قدره المعصية في العبد، ثمّ للعبد ما كسب وعليه ما اكتسب، ولا حجة على الله تعالى، ولله الحجة البالغة.
والختم والطبع والأكنة والران المذكورة في القرآن كلها بمعنى خلق الضلالة في القلب.
أرسل الله سبحانه وتعالى رسله إلى خلقه مؤيدًا لهم بالمعجزات، وخص محمدًا صلى الله عليه وسلم منهم بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وينزل عيسى عليه السلام في آخر الزّمان مقررًا لشريعته.
وأفضل المرسلين محمّد صلى الله عليه وسلم، ثمّ إبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى عليهم الصّلاة والسلام.
وهؤلاء هم أولوا العزم على الأصح.
وقيل: كلهم، وتقدم الكلام على ذلك.
ثمّ أفضل الخلق بعد هؤلاء بقية الرسل، ثمّ بقية الأنبياء، ثمّ خواص الملائكة، ثمّ البشر.
وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم السلام أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، فبقية العشرة، فبقية أهل بدر، فبقية أهل بيعة الرضوان رضي الله تعالى عنهم.
والإيمان: التصديق بالقلب بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، واليوم الآخر.
والتلفظ بالشهادتين؛ قيل: شرط للإيمان، وعليه إمام الحرمين، والغزالي، وغيرهم.
وقيل: شطر منه، وعليه الجمهور.
ولا يستكمل العبد الإيمان إِلَّا بالأعمال الصالحة الّتي هي شعب الإيمان، وهو معنى قول السلف: الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية (1).
ولا يذهب الفسق الإيمان، بل من مات مصدقًا بقلبه وهو فاسق بما دون الشرك مات مؤمنًا، وهو تحت المشيئة؛ إن شاء الله عاقبه، وإن شاء عفا عنه، ولا يخلد في النّار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
ونؤمن؛ أي: نصدق بالبعث بعد الموت، والإعادة للروح والجسد، وعذاب القبر ونعيمه، وسؤال الملكين، والحشر، والقيام لرب العالمين، والشفاعة، والحوض، والرؤية، والصراط، والميزان، والحساب، والجنة والنار، وأنّهما مخلوقتان موجودتان الآن، ونؤمن أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيامة، وفي الجنَّة، ويحجب الكفار عن رؤيته كما جاء بذلك الكتاب والسُّنَّة.
(1) انظر: "اعتقاد أهل السُّنَّة" للالكائي (5/ 887).
ونصب الإمام واجب على النَّاس لسد الثغور، وتجهيز الجيوش، وقهر المتغلبة والمتلصصة -ولو كان المنصوب مفضولًا- فإن نصبه يكفي في الخروج من عهدة هذا الواجب، ولا يجوز الخروج عليه وإن جارٍ.
والصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول أخيار، وما شجر بينهم نسكت عنه، ونرى أن الكل مأجورون، وكان علي رضي الله تعالى عنه على الصواب فله أجران.
وأول الخلفاء الراشدين أبو بكر رضي الله تعالى عنه، والخلفاء على ترتبيهم في الفضيلة رضي الله تعالى عنهم، ولم يثبت عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قبل الإسلام حالة كفر، بل كان ملحوظا بالرضا والتوفيق.
وروى ابن عساكر عن أبي العالية الرياحي قال: قيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل شربت الخَمْرِ في الجاهلية؟
فقال: أعوذ بالله! فقيل: ولم؟ قال: كنت أحفظ مروءتي، وأصون عرضي؛ فإن من شرب الخَمْرِ كان مضيعًا لعرضه ومروءته.
قال: فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ" مرتين (1).
وعائشة رضي الله تعالى عنها بريئة في كلّ ما وقع فيه أصحاب
(1) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(30/ 333).
الإفك، برَّأها الله تعالى، ومن قذفها بعد تبرئته إياها فهو كافر، ومن أنكر صحبة أبيها فهو كافر، والنبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم.
وأئمة المذاهب الأربعة أبو حنيفة، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد، وسائر أئمة المسلمين [
…
] (1) رضي الله تعالى عنهم كالسفيانين، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري -دون أئمة المبتدعة- على هدى من ربهم في العقائد وغيرها، ولا التفات إلى من تكلم فيهم بما هم بريئون منه، واختلافهم في الفروع رحمة، وهم مثابون على اجتهادهم.
وأبو الحسن الأشعري إمام في السُّنَّة، مقدم في الطريق في الاعتقاد على غيره.
وأبو القاسم الجنيد، وأمثاله من الصوفية كأبي الحسن الثّوريّ، وأبي محمّد الحريري، وابن عطاء، وسائر رجال "الرسالة" لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، و"الحلية" لأبي نعيم الأصبهاني، ومن كان على طريقتهم من المتأخرين كأبي عبد الرّحمن السلمي، وأبي على الدقاق، والقشيري، والغزالي، وأخيه، والسهروردي، والشيخ عبد القادر الجيلاني، وطبقة بعد طبقة إلى عصرنا كلهم على طريقة السداد، والعمل بالكتاب والسُّنَّة، والبراءة من البدعة، دون من انحرف عن هذه الطريقة.
(1) بياض في "أ" و"ت"، بمقدار كلمتين.
وفي طريقتهم ألفية جدي رضي الله تعالى عنه المسماة بِـ: "الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد"، وشرحها الّذي كتبته عليها، وسميته:"منبر التّوحيد"، وقد جمعت فيه بتوفيق الله متفرقات الطريق على وجه التحقيق؛ فعليك بالتشبه بهؤلاء كلهم، والعمل بطريقتهم، لعلّك تحشر معهم.
وأخبرنا والدي شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إجازةً عن القاضي زكريا، عن ابن الفرات، عن أبي حفص المراغي، وجماعة قالوا: أنا الفخر أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد عُرف بابن البخاري، عن أبي المكارم أحمد بن محمّد بن اللَّبَّان، وأبي الحسن مسعود بن محمّد بن أبي منصور الكمال قالا: أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، أنا الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ثنا محمّد بن عمر بن سالم، ثنا جعفر بن محمّد الفريابي، ثنا المسيَّب بن واضح، ثنا ابن إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي قال: كان يقال: خمس عليها أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السُّنَّة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله (1).
وبه إلى أبي نعيم: ثنا أبو جعفر محمّد بن عبد الله بن عروة قال: سمعت يوسف بن موسى القطان يحدث أن الأوزاعي قال: رأيت رب العزة سبحانه وتعالى في المنام، فقال لي: يا عبد الرّحمن! أنت الّذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 142).
فقلت: بفضلك يا رب.
فقال: تمن علي؟
فقلت: يا رب أمتني على الإسلام.
فقال: وعلى السُّنَّة (1).
وقال أبو القاسم الأصبهاني في "ترغيبه": أنا عبد الواحد بن إسماعيل الروياني في كتابه، أنا أبو محمّد الحباري قال: سمعت أبا محمّد الحسين بن علي سنة تسعين - بتقديم التاء - ومئتين يقول: علامة أهل السُّنَّة كثرة الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- ومن اللطائف: ما رواه الدينوري عن الشّعبيّ رحمه الله تعالى قال: أحب أهل بيت نبيك صلى الله عليه وسلم ولا تكن رافضيًا، واعمل بالقرآن ولا تكن حروريًا، واعلم أن ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ولا تكن قدريًا، وأطع الإمام ولو كان عبدًا حبشيًا (2).
ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري في جزء جمع فيه كلام أبي علي الدقاق نقلًا عنه؛ قال: وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: نحن وأصحابنا قاصدون إلى الله تعالى، وأهل البدع راجعون عنه، وأهل الغفلة يدورون يَمْنة وَيسْرة، وقعوا في الوحل و [
…
] (3).
* * *
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 143).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 414).
(3)
كلمة غير واضحة في "أ" و"ت".