الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التحليل والتعليق
تضمن أثر عثمان رضي الله عنه الحث على لزوم جماعة المسلمين، والنهي عن الفرقة والتحزب، وكأنه رضي الله عنه تفرّس فيهم ما سيحدث بعد وفاته، ومن فقهه أنه جعل التحزب والتفرق، مقابلا للجماعة؛ فإن لزوم الجماعة عصمة من التفرق والتحزب، وظهور الجماعات والأحزاب في الأمة نذير فرقة وذهاب قوتهم، وتلاشي دولتهم، وهو من الاختلاف:"الذي يوجب الفرقة، والاختلاف، وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين. . . ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري، لا بد منه لتفاوت إرادتهم، وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض، وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة اللَّه ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الانسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدا، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة، لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافا لا يضر -كما تقدم من اختلاف الصحابة- فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد، وهو كتاب اللَّه وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة اللَّه ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة، وتقديمها على كل قول، ورأي، وقياس، وذوق، وسياسة"
(1)
، وقد حصل ما تفرسه رضي الله عنه وذلك: "لما توفي عثمان لم يبق لها
(1)
الصواعق المرسلة (2/ 514 - 520) بتصرف، ذكره في معرض بيان الاختلاف المحمود =
معين -الخلافة- إلا علي رضي الله عنه، وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان، وضعف أهل العلم والإيمان، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يطاع فيه مَنْ غَيْرُهُ أولى منه بالطاعة، ولهذا أمر اللَّه بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولهذا قيل: ما يكرهون في الجماعة، خير مما يجمعون من الفرقة"
(1)
، والمراد بالجماعة المأمور لزومها كما قال الطبري:"الصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك، خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها"
(2)
، قال الشاطبي معلقا على كلامه: "هذا تمام كلامه، وهو منقول بالمعنى، وتحَرٍّ في أكثر اللفظ، وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام، الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة، خارجٌ عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم، فهذه خمسة أقوال
= والمذموم.
(1)
مجموع الفتاوى (35/ 74).
(2)
فتح الباري (13/ 36).
دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث فلنأخذ ذلك أصلا"
(1)
.
قال القرطبي: "من بدَّل، أو غَيَّر، أو ابتدع في دين اللَّه ما لا يرضاه اللَّه، ولم يأذن به اللَّه، فهو من المطرودين عن الحوض، المبتعدين منه، المسودِّي الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، ومبتدعون، وكذلك الظلمة، المسرفون في الجور والظلم، وطمس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية"
(2)
، وقال الطحاوي:"ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة"، قال شارحه ابن أبي العز:"السنة: طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، إلى يوم الدين فاتباعهم هدًى، وخلافهم ضلالٌ"
(3)
، وقال الغزنوي:"لا نخالف جماعة المسلمين، ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا"
(4)
، وقال
(1)
الاعتصام (1/ 476).
(2)
تفسير القرطبي (4/ 162)، وانظر التمهيد لابن عبد البر (20/ 262).
(3)
شرح العقيدة الطحاوية (382).
(4)
أصول الدين (300).
الشوكاني: "وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالكون في الجماعة، والنهي عن الفرقة"
(1)
، ومن هنا كان الخروج عن جماعة المسلمين من سمات أهل البدع قال شيخ الإسلام:"الخوارج دينهم المُعَظَّم مفارقة جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، والشيعة تختار هذا، لكنهم عاجزون، والزيدية تفعل هذا، والإمامية تارة تفعله، وتارة يقولون: لا نقتل إلا تحت راية إمام معصوم، والشيعة استتبعوا أعداء الملة من الملاحدة والباطنية وغيرهم"
(2)
.
(1)
فتح القدير (1/ 559)، وانظر: الشريعة للآجري (1/ 10)، الانتصار للسمعاني (4)، تلبيس إبليس (13)، أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب (32)، فقد عقدوا جميعا بابا مستقلا في ذلك، ومجلس مناظرة شيخ الإسلام على العقيدة الواسطية في المجموع (3/ 181)، تفسير القرطبي (4/ 155).
(2)
مجموع الفتاوى (13/ 209).