الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
490 -
حدثنا خلف بن هشام قال: ثنا الحكم بن سنان، عن حوشب، عن الحسن قال:"خلق اللَّه آدم حين خلقه، فأخرج أهل الجنة فدبّوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصمّ والمبتلى، فقال آدم: يا ربّ، ألا سوّيت بين ولدي، قال: يا آدم، إني أردت أن أُشكر"
(1)
.
491 -
حدثنا أحمد بن عبيد التميمي قال: قال أعرابي: "الحمد للَّه الذي لا يحمد على المكروه غيره"
(2)
.
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة نفي الجور عن اللَّه عز وجل، وإثبات العدل له في أفعاله وأحكامه، فالذنب الذي يفعله العبد هو عقوبة على ذنب سبقه كما في أثر سهل بن عاصم، وفي دعاء الرجل بعرفات أن اللَّه لا يظلم
= النار (190)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (17/ 433) من دعاء يزيد الرقاشي.
(1)
إسناده ضعيف، فيه الحكم بن سنان وهو القربي ضعيف التقريب (1452)، الشكر (65) رقم (162)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (4/ 107) رقم (4441)، وابن كثير أيضًا في البداية والنهاية (1/ 88)، وزاد السيوطي في الدر (3/ 603) نسبته إلى أبي الشيخ.
(2)
فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة إلا ما ذكره المزي في تهذيب الكمال (3/ 242) من كونه يروي عن سلمة بن بشر وسماه أبو الحسن أحمد بن عبيد التميمي العنبري وبدأ به في الرواة عن سلمة، الشكر (37) رقم (84)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (4/ 118) رقم (4495)، وانظر فتح الباري (3/ 290) ففيه بحث حول أن اللَّه هو الذي يشكر على كل الأحوال واستشكال حديث المتصدق على الزانية. . . .
الناس شيئًا؛ فلا يعذبهم بالنار بعد أن وحدوه، وهذا مقتضى عفوه، ولو عذبهم فبذنوبهم، وكذلك خلق اللَّه العباد مختلفي الحالات منهم المبتلى والأعمى والأصم ولم يسوِّ بينهم؛ لأنه سبحانه يحب أن يشكر، وهو الذي لا يحمد على المكروه سواه.
وهذه المسألة من أهم مسائل القضاء والقدر قال شيخ الإسلام: "اتفق المسلمون وسائر أهل الملل، على أن اللَّه تعالى عدل، قائم بالقسط، لا يظلم شيئًا، بل هو منزه عن الظلم، ثم لما خاضوا في القدر، تنازعوا في معنى كونه عدلا وفي الظلم لذي هو منزه عنه. . . وهذا الأصل وهو عدل الرب، يتعلق يحميع أنواع العلم والدين؛ فإن جميع أفعال الرب، ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله، وشرائعه، وكتبه المنزلة، وما يدخل في ذلك من مسائل المبدأ، والمعاد، ومسائل النبوات، وآياتهم، والثواب، والعقاب، ومسائل التعديل والتجوير وغير ذلك"
(1)
.
وقد بين ابن أبي العز رحمه الله لما شرح قول الطحاوي: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا) أن توفية هذا المقام حقه يبلغ به المسلم أعلى مقامات العبودية فقال: "روى أبو داود والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن اللَّه عذب أهل سمواته، وأهل أرضهن لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم
(1)
رسالة في معنى كون الرب عادلا (121، 125).
كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم"
(1)
، وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم الفاسدة، ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل، وأسعد الناس به أهل السنة الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة اللَّه وجلاله، قدر نعم اللَّه على خلقه وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا وإضاعة، وإما تقصيرا في المقدور من الشكر، ولو من بعض الوجوه. . . وغاية ما يقدر توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه، . . .وسأله -أي النبي صلى الله عليه وسلم الصديق دعاء يدعو به في صلاته فقال:"قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم"
(2)
، فإذا كان هذا حال الصديق الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فما الظن بمن سواه؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه، الذي يتضمن معرفة ربه، وحقه وعظمته، وما ينبغي له، وما يستحقه على عبده، ومعرفة تقصيره"
(3)
.
وقد أورد على كون الذنب عقوبة على ذنب قبله، سؤالٌ قال ابن القيم: "يبقى أن يقال في الكلام: فالذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ فيقال: هو عقوبة أيضًا على عدم ما خلق له وفطر عليه، فإن اللَّه
(1)
قال الألباني في التعليق على الطحاوية (451): "صحيح".
(2)
متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(3)
شرح العقيدة الطحاوية (450 - 451).
سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتألهه والإنابة إليه. . .فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة اللَّه وعبوديته والإنابة إليه، عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فلأنه صادف قلبا فارغا خاليا قابلا للخير وللشرّ ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن من الشر. . .وأما إذا صادفه فارغا من ذلك تمكن منه بحسب فراغه وخلوه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة على عدم هذا الإخلاص وهذا محض العدل.
فإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه؟ قلت: هذا سؤال فاسد فإن العدم كاسمه يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض والشر ليس إلى الرب تبارك وتعالى"
(1)
.
ومن هنا لم يسوِّ بين جميع عباده في الخِلْقَة، ولا في الهداية والضلال؛ لأن له في ذلك حكما كثيرة، وهو سبحانه لذلك يحمد على كل حال، قال ابن القيم رحمه الله: "فصل في بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه، والمقصود بيان شمول حمده سبحانه وحكمته لكل ما يحدثه، من إحسان، ونعمة، وامتحان، وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، واللَّه تعالى محمود على ذلك مشكور، حمد المدح، وحمد الشكر، أما حمد المدح
(1)
مختصر الصواعق المرسلة (188)، وانظر بقية كلامه فإنه مهم، ومجموع الفتاوى (14/ 331)، شرح العقيدة الطحاوية (440 - 444).
فاللَّه محمود على كل ما خلق؛ إذ هو رب العالمين، والحمد للَّه رب العالمين، وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن؛ إذا اقترن بواجبه من الإحسان والنعمة، إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة، والطاعة من أجل نعمه، وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة، والاستغفار، والإنابة، والذل، والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة، والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، وإن كان سببها مسخوطا مبغوضا للرب سبحانه، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة، والاستغفار. . .هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه، وأما بالإضافة إلى العبد؛ فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة، والإنابة. . .فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه. . . ومعلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها. . . والرب سبحانه محمود على ذلك أيضًا، كما هو محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان. . .فحمده وحكمته تقتضي أن لا يودع نعمه وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها، ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة في خلق هذه الأرواح، التي هي غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية، وأن خلق الأضداد، والمقابلات، وترتيب آثارها
عليها، موجب ربوبيته، وحكمته، وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية، وأيضا فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن؛ فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بقلبه، ويده، ولسانه، أو بقلبه ولسانه فقط، أو بقلبه فقط، ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه، ونفسه، وبدنه، ومصالح دنياه وآخرته، ما لم يكن ينال بدون ذلك"
(1)
.
(1)
طريق الهجرتين (118 - 119).