الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أسباب الفتن التي تنال الأمة، وبيان الوسيلة الشرعية لعلاجها، حيث ورد فيها أن أهم أسباب الفتن وتسلُّط حكام الجور على الأمة هو ذنوب العباد، فالاستخفاف بحق اللَّه يقابله استخفاف اللَّه بحق العباد، فيغضب عليهم ويسلط عليهم صبيانهم، وجور العمال بشؤم ذنوبهم، وحدوث الفتن، ولذلك تعين أن تقابل هذه العقوبات بالتوبة والتضرع والاستكانة، كما قاله غير واحد من السلف كالفضيل بن عياض والحسن البصري، ولأهمية موضوع الدعاء في دفع الفتن، فقد حمل همّه السلف وتوجهوا به إلى اللَّه في رفع الفتن، حتى إن الحسن ذكر أنهم دعوا للَّه منذ سبعين سنة أن يولي أمرهم خيارهم، ولما رأى الأمر لم يتغير كبير شيء تحسّر من ذلك، فإن كان استجيب لهم فهي مصيبة وأي مصيبة أن يكون أولئك الظلمة هم خيارهم، وإن لم يكن استجيب لهم فهى مصيبة أيضًا فإنهم ليسوا أهلا لذلك، وعدم استجابة الدعاء يوجب النظر في تحقق شروطه، ومن هنا كان هذا منهج السلف في الفتن فإنهم بين ناصح له وداع إليه كما نصح عراك بن خالد من قال له طاب الموت، بقوله:"لساعة تعيش فيها تستغفر اللَّه خير لك من موت الدهر"، وكذا مطرف لما حبس الحجاجُّ مورِّقا، وطلبوا له طرقا لإخراجه فلم يفلحوا، لم يكن منه إلا أن دعا وأمَّن أصحابه فخُلي سبيله، وهكذا من كان يظلم
= الكوفي، ثقة، كما في التقريب (6867)، وانظر التهذيب (4/ 129).
ويحبس منهم يلتجئ إلى الدعاء فيفرج اللَّه عنه، بل إنهم كانوا يعتزلون الفتن لما تموج بالناس ويتوجهوا إلى اللَّه بالتضرع والدعاء، فلا تصيبه بشيء ولا يصيب المسلمين منه شيء يكرهونه وللَّه الفضل والمنة.
وقد نبّه العلماء على أهمية التوبة والتضرع والاستغفار في دفع العقوبات، وعلاقة ذلك بالذنوب والمعاصي قال شيخ الإسلام:"الفتن سببها الذنوب والخطايا فعلى كل من الطائفتين أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه فإن ذلك يرفع العذاب وينزل الرحمة"
(1)
، وقال ابن القيم: "ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد؛ في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن. . . فكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث اللَّه لكم من سلطانه عقوبة. . . ومن تأثير معاصي اللَّه في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها. . . وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطةً، الحبة بقدر نواة التمرة، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن من العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها اللَّه سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب، فإذا أراد اللَّه أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة، ويخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث اللَّه به رسوله، وتخرج
(1)
الفتاوى الكبرى (4/ 238).
الأرض بركاتها وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويكون العنقود من العنب وقر بعير، ولبن اللقحة الواحدة يكفى الفئام من الناس، وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من اللَّه تعالى التي محقتها الذنوب والكفر. . . والمقصود أن الذنوب إنما ترتب عليها العقوبات الشرعية والقدرية، أو يجمعها اللَّه لعبد، وقد يرفعها عمن تاب وأحسن. . . وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رَفَعت العقوبات القدرية أو خففتها. . . وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم والشرعية تخص؛ فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية، أو تسبب إليها، وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة"
(1)
.
وقد ذكر ابن القيم بعض ورد في هذا المعنى فقال: "ذكر عن مالك بن دينار قال: قرأت في الحكمة يقول اللَّه عز وجل: أنا اللَّه مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي؛ فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم، وفي مراسيل الحسن: إذا أراد اللَّه بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم، وفيأهم عند سمحائهم، وإذا أراد بقوم شرا جعل أمرهم إلى سفهائهم، وفيئهم عند بخلائهم، وذكر الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال يونس: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من
(1)
الجواب الكافي (1/ 42 - 43، 77).
رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو من علامة رضائي عليكم، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو من علامة سخطي عليكم، وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: أوحى اللَّه إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني، وذكر أيضًا من حديث ابن عمر يرفعه: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث اللَّه أمراء كَذَبَة، ووزراء فجرة، وأعوانا خونة، وعرفاء ظلمة، وقرَّاء فسقة، سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيتيح اللَّه لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون فيها، والذي نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة حتى لا يقال: اللَّه اللَّه، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن اللَّه عليكم أشراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن اللَّه عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم"
(1)
، وكان من دعاء ابن حمش:"اللهم بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفنا ولا يرحمنا"
(2)
، وقال إسماعيل المزني في معتقد:"الطاعة لأولي الأمر فيما كان عند اللَّه عز وجل مرضيا، واجتناب ما كان مسخطا، وترك الخروج عند تعديهم وجورهم، والتوبة إلى اللَّه عز وجل كيما يعطف بهم على رعيتهم"
(3)
.
(1)
الجواب الكافي (31).
(2)
شعب الإيمان (6/ 23)، وانظر منهاج السنة (4/ 529).
(3)
اجتماع الجيوش الإسلامية (97).