المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌التحليل والتعليق تضنمت الآثار السابقة بعض فضائل الفاروق عمر بن الخطاب - الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا - جـ ٢

[حميد بن أحمد نعيجات]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الرابع: الآثار الواردة في القدر

- ‌المبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر

- ‌المطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثالث [*]: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن اللَّه (العدل الإلهي)

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر

- ‌المطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالأسباب

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر والصبر عليه، وبين العزم على ذلك

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر

- ‌التحليل والتعليق

- ‌الباب الثالث: الآثار الواردة في مباحث الإيمان

- ‌الفصل الأول: الآثار الواردة في تعريف الإيمان

- ‌التحليل والتعليق

- ‌الفصل الثاني: الآثار الواردة في الزيادة والنقصان

- ‌التحليل والتعليق

- ‌الفصل الثالث: الآثار الواردة في الاستثناء

- ‌التحليل والتعليق

- ‌الفصل الرابع: الآثار الواردة في الإسلام والإيمان

- ‌التحليل والتعليق

- ‌القول الأول: من قال بالترادف بينهما

- ‌القول الثاني: قول من قال بالتغاير

- ‌القول الثالث: قول من قال بالتلازم بينهما

- ‌الفصل الخامس: الآثار الواردة في الأسماء والأحكام

- ‌المبحث الأول: الآثار الواردة في الأسماء

- ‌المطلب الأول: الآثار الواردة في أنواع الكفر

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثاني: الآثار الواردة في الحجاج بن يوسف

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثالث: الآثار الواردة في الولاء والبراء

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الثاني: الآثار الواردة في الأحكام

- ‌المطلب الأول: الآثار الواردة في حكم عصاة الموحدين

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثاني: الآثار الواردة في أطفال المشركين

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثالث: الآثار الواردة في توبة القاتل

- ‌التحليل والتعليق

- ‌الباب الرابع: الآثار الواردة في الصحابة والإمامة

- ‌الفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة

- ‌المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما

- ‌أولا: الآثار الواردة في أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم

- ‌ثانيا: الآثار الواردة في جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وحبهم له

- ‌ثالثا: الآثار الواردة في الألفة والتحاب فيما بينهم

- ‌رابعا: الآثار الواردة في كريم أفعالهم، ومحاسن أخلاقهم

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌أولا: الآثار الواردة في زهده وورعه

- ‌ثانيا: الآثار الواردة في عدله وخوفه في خلافته

- ‌ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه

- ‌رابعا: الآثار الواردة في بعض كراماته

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الخامس: الآثار الواردة في في فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه

- ‌أولا: الآثار الواردة في بعض مناقبه

- ‌ثانيا: الآثار الواردة في صبره في محنته

- ‌ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه

- ‌رابعا: بعض كراماته

- ‌خامسا: براءة الصحابة من دمه

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌أولا: الآثار الواردة في تقدم إسلامه

- ‌ثانيا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه

- ‌ثالثا: الآثار الواردة في بعض كراماته

- ‌رابعا: الآثار الواردة في زهده وورعه وعبادته

- ‌خامسا: الآثار الواردة في جهاده وشجاعته

- ‌التحليل والتعليق

- ‌الفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة رضي الله عنهم

- ‌المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص رضي الله عنه

- ‌المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

- ‌المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

- ‌المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة رضي الله عنه

- ‌المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه

- ‌المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير رضي الله عنه

- ‌الفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت رضي الله عنهم

- ‌المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس رضي الله عنه

- ‌المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي رضي الله عنه

- ‌المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل الحسين بن علي رضي الله عنه

- ‌المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن جعفر رضي الله عنه

- ‌المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنه

- ‌المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل عبيد اللَّه بن العباس رضي الله عنه

- ‌المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل عائشة رضي الله عنها

- ‌المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل زينب بنت جحش رضي الله عنها

- ‌الفصل الرابع: الآثار الواردة في فضائل بقية الصحابة رضي الله عنهم

- ‌المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن سعيد بن العاص رضي الله عنه

- ‌المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل مصعب بن عمير رضي الله عنه

- ‌المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل ذي البجادين رضي الله عنه

- ‌المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه

- ‌المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل بلال بن رباح رضي الله عنه

- ‌المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل أبي بن كعب رضي الله عنه

- ‌المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل البراء رضي الله عنه

- ‌المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل خالد بن الوليد رضي الله عنه

- ‌المبحث التاسع: الآثار الواردة في فضائل سعد بن عبادة رضي الله عنه

- ‌المبحث العاشر: الآثار الواردة في فضائل أبي الدرداء رضي الله عنه

- ‌المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في فضائل سلمان رضي الله عنه

- ‌المبحث الثاني عشر: الواردة في فضائل الأشعث بن قيس رضي الله عنه

- ‌المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في فضائل لبيد بن ربيعة رضي الله عنه

- ‌المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي موسى رضي الله عنه

- ‌المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في فضائل حجر بن عدي رضي الله عنه

- ‌المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في فضائل أسامة بن زيد رضي الله عنه

- ‌المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه

- ‌المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في فضائل حكيم بن حزام رضي الله عنه

- ‌المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي هريرة رضي الله عنه

- ‌المبحث العشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عامر ابن كريز رضي الله عنه

- ‌المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في فضائل معاوية رضي الله عنه

- ‌المبحث الثاني والعشرون: الآثار الواردة في فضائل قيس بن سعد رضي الله عنه

- ‌المبحث الثالث والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن عمرو رضي الله عنه

- ‌المبحث الرابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن الزبير رضي الله عنه

- ‌المبحث الخامس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن عمر رضي الله عنه

- ‌المبحث السادس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل طلحة ابن البراء رضي الله عنه

- ‌المبحث السابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل سهل بن سعد رضي الله عنه

- ‌المبحث الثامن والعشرون: الآثار الواردة في فضائل زيد بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌المبحث التاسع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل صعصعة رضي الله عنه

- ‌المبحث الثلاثون: الآثار الواردة في فضائل علبة بن زيد رضي الله عنه

- ‌المبحث الحادي والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل النعمان ابن قوقل رضي الله عنه

- ‌المبحث الثاني والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أبي معلق رضي الله عنه

- ‌المبحث الثالث والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أسماء رضي الله عنها

- ‌الفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن

- ‌المبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة

- ‌المطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام

- ‌المطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عنه العجز

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء

- ‌المطلب الرابع: الآثار الواردة في النهي عن منازعة الملوك الأمر

- ‌المطلب الخامس: تحريم الخروج على الحكام

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج

- ‌المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثامن: الآثار الواردة في ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الثالث: الآثار الواردة في موقف المسلم من الفتنة

- ‌المطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها

- ‌التحليل والتعليق

- ‌المبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة

- ‌المطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين

- ‌المطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى اللَّه -بزعمهم- بقتل المسلمين

- ‌المطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة

- ‌التحليل والتعليق

الفصل: ‌ ‌التحليل والتعليق تضنمت الآثار السابقة بعض فضائل الفاروق عمر بن الخطاب

‌التحليل والتعليق

تضنمت الآثار السابقة بعض فضائل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، من أوجه كثيرة قسمتها إلى العناصر الأربعة الماضية، وهي: زهده وورعه، وعدله وخوفه في خلافته، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته.

فأما زهده وورعه: فقد تضمنت الآثار في ذلك عدة أوجه، فمن أهمها زهده في مأكله، حيث كان مقدار أكله حوالي إحدى عشرة لقمة يوميا، وكان يترك كثيرا من أطايب الطعام المباح، رجاء استيفاء أجر حسناته التي قدّمها أوفى ما يكون عند اللَّه، وألا يكون قُدِّم له منها شيء في هذه الحياة الدنيا، وحرصا على الحفاظ على المنزلة التي يرجوها من مرافقة صاحبيه كما رافقهما في الدنيا، فمن ذلك ترك شرب العسل، واقتصاره على أزهد شيء في الذبيحة، كالعرق والرقبة والعلباء، وإن طبخها طبخها بأبسط شكل، ولم يدخل عليها التحسينات من السمن والبهارات ونحو ذلك.

وزهده في الجاه الدنيوي فكان لا يهمه التفاخر في الزواج فالمسلمون عنده سواء في التزويج والتزوج، ويأبى المدح ويخافه على نفسه وعلى

=آخر حدثنا أبو بكر الشيباني به، ومن طريق المصنف اللالكائي في كرامات الأولياء (9/ 129 - 130) رقم (69)، ولذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (44/ 346).

ص: 827

المادح، ويخالف نفسه في هواها حتى إنه ليكرهها على الجماع ليس لحظ نفسه منه، وإنما حرصا على الولد الذي يسبح اللَّه.

وكان بكَّاءً يسمع خنينه من وراء ثلاثة صفوف، وكان زاهدا في ملبسه يرى عليه آثار الترقيع حتى عُدَّت له تلك الرقاع فبلغت نيفا، كل راو يذكر ما رأى من ذلك.

وأما عدله وخوفه في خلافته: فهو مضرب المثل فيه، فكان يركب مع سائر رعيته على الدابة، ولا يرضى حتى يكون هو في الخلف، ويخاف على رعيته أن تصيبهم هلكة على يديه، ويقبل منهم الانتقاد ويعمل به، ويخشى أي محاباة بسبب المنصب الذي تولاه، فلا يعطى أبناءه وأهله من الأموال إلا ما يستحقونه كعموم المسلمين، ولهذه العلة منع ابنه عبد اللَّه من الجهاد خشية أن يحابوه في المغنم، فإن رأى حاجة شديدة بأحدهم أعطاه من ماله الخاص وأمره بالاتجار والتكسب به، ويخشى من الأموال التي تجبى إليه أن يفتتن بها، فيسرع في قسمتها على المسلمين، ويتصفح أحوال المجاهدين فيرجع من كان أبواه في حاجته، ومع هذا العدل والتورع يخاف على نفسه من تبعات الخلافة ويتمنى قبل الموت أن يخرج منها كفافا لا له ولا عليه، ولما كبر سنة خاف من التفريط فسأل اللَّه أن يتوفاه.

وأما ثناء الناس عليه: فكل مسلم يلهج لسانه بذكر محاسنه، والثناء على أعماله، شهد له علي بن أبي طالب بالجنة، ويأمر ذريته بذلك، ويتمنى أن يلقى اللَّه بمثل صحيفته، ويدعو له بتنوير قبره، كما نوّر مساجد

ص: 828

اللَّه بالتراويح، ويشبهه عثمان بن عفان رضي الله عنه بلقمان الحكيم، ويعبر عن عجزه عن إدراك مثل درجته، ويجزم أنه لن يوجد مثل عمر، ويؤكّد هذا المعنى معاوية رضي الله عنه حيث لم يستطع أن يسير في الناس سيرة عثمان، فأما سيرة عمر فلا مطمع فيها، وهكذا بعدهم عبد الملك بن مروان ترحم عليه، وأثنى على بصره وعلمه بالدنيا، وأنه لم يغتر بها، بل إن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جعلت ذكره يحسن المجالس، ثم ذكرت رثاء الجن له، بل إن أخباره وصفاته عند أهل الكتاب عرفونه بها، كما عرفه النجراني يوم ركض على فرسه، وعلم أنه هو الذي سيخرجهم من جزيرة العرب.

وأما كراماته: فقد ورد أثر استقائه بالعباس رضي الله عنه وتبشيره بالغوث بصوت سمعه بعض الأعراب في بواديهم من الغمام في نفس وقت الاستقتاء

(1)

.

ولهذا كله وغيره فإنه لا يطعن في عمر رضي الله عنه إلا بأحد سببين كما قال شيخ الإسلام: "إما نقصم العلم، وإما نقص الدين"، ثم قال: "من المعلوم للخاص والعام أن عدل عمر رضي الله عنه ملأ الآفاق، وصار يضرب به المثل، كما قيل: سيرة العمرين. . . ويكفي الإنسان أن الخوارج الذين هم أشد الناس تعنتا، راضون عن أبي بكر وعمر في سيرتهما، وكذلك الشيعة الأولى أصحاب علي، كانوا يقدمون عليه أبا بكر وعمر. . . وهؤلاء أهل

(1)

وقد استقصى ابن حجر الهيتمي كل هذا، وذكر النصوص معزوة إلى مصادرها في كتابه الصواعق المحرقة (1/ 249 فما بعدها).

ص: 829

العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجحون قول هذا الصاحب تارة، وقول هذا الصاحب تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع. . . -ثم ذكر جملة منهم-، ومن لا يحصى عددهم إلا اللَّه، من أصناف علماء المسلمين، كلهم خاضعون لعدل عمر وعلمه، وقد أفرد العلماء مناقب عمر، فإنه لا يعرف في سير الناس كسيرته. . .وكل هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم، يعلمون أن عدل عمر كان أتم من عدل من ولي بعده، وعلمه كان أتم من علم من ولي بعده، وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده، فأمْرٌ قد عرفته العامة والخاصة؛ فإنها أعمال ظاهرة، وسيرة بيِّنَةٌ، يظهر لِعُمر فيها من حسن النية، وقصد العدل، وعدم الغرض، وقمع الهوى، ما لا يظهر من غيره -ثم ذكر آثارا في هذا المعنى-، وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب، ليس من أحاديث الكذابين، والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جدا. . .وهذا باب طويل قد صنف الناس فيه مجلدات، في مناقب عمر

(1)

مثل: كتاب أبي الفرج ابن الجوزي، وعمر بن شبه وغيرهما، غير ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة العلم، مثل: ما صنفه خيثمة بن سليمان في فضائل

(1)

ومنها ما ألفه المصنف حيث ذكر ابن القيم أن له كتاب مناقب عمر، الجواب الكافي (30)، ولم أجد من ذكره لكن ذكر مقتل عمر فلعله هو واللَّه أعلم، انظر مقدمة الدكتور مصلح لكتاب التهجد.

ص: 830

الصحابة، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم

(1)

"

(2)

.

ومسألة تفضيل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على سائر الصحابة من أصول مسائل أهل السنة والجماعة، التي يبدع فيها المخالف، قال شيخ الإسلام: "تفضيل أبي بكر، ثم عمر، على عثمان وعليٍّ، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين، المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم. . .وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك. . .وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول اللَّه، وإن كان غيرهم يشك فيها، أو ينفيها كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته، وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار، والأحاديث المتواترة عندهم في الصفات، والقدر، والعلو، والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته

(3)

. . .ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول"

(4)

.

(1)

كالأبواب المفردة من كتب السينة كالكتب الستة وغيرها؛ فإنها تفرد كتابا لفضائل الصحابة فتبدأ بأبي بكر ثم عمل، انظر على سبيل المثال لا الحصر صحيح البخاري (3/ 1345)، وصحيح مسلم (4/ 1865)، وغير ذلك كثير جدا.

(2)

منهاج السنة (6/ 50 - 58)، وانظر كذلك للتوسع (11/ 56)(8/ 223)، والشذا الفياخ (2/ 507).

(3)

وفي منهاج السنة (8/ 223) جعل إجماعهم على تفضيل الشيخين أعظم من إجماعهم على بعض هذه المسائل المتواترة.

(4)

مجموع الفتاوى (4/ 421 - 425) بتصرف.

ص: 831