الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، حيث نصت الآثار على دخول الأعمال بنوعيها -الباطنة والظاهرة، وهي أعمال القلب وأعمال الجوارح- في مسمى الإيمان، فأثر عبد اللَّه بن عمير بيّن أنه لا يصح الإيمان إلا بالعمل، ولا العمل إلا بالإيمان، ثم الآثار التي بعده نصت على دخول بعض الأعمال في الإيمان، كالحب في اللَّه، وضرب طاوس رحمه الله لذلك مثلا بالشجرة التي لها أصل وفروع، وأن له حقيقة لا يبلغها العبد إلا بفعل بعض الأعمال، كترك الانتصار للنفس، وترك المراء، والكذب في المزاح، وأنه بدون الأعمال فهو عريان، وإنما لباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفة، وأن له ذروة ذكر أبو الدرداء رضي الله عنه أنها أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكّل، والاستسلام للرب عز وجل، والتوكل هو جماع الإيمان، والشكر نصفه، والصبر نصف، واليقين الإيمان كله، ومنزلة الصبر منه كمنزلة الرأس من الجسد، والتنصيص على أن مكارم الأخلاق من الدين، أو على بعضها كالكرم، والحياء، وأن الإسلام زاد بعض الصفات التي كانت في العرب
= (2/ 75) وصحح إسناد حديثه، الإخلاص والنية (60) رقم (34)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (3/ 241)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (22/ 55)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/ 434)، وابن عبد البر في التمهيد (24/ 334).
شدة وقوة كقرى الضيف، وحسن الجوار، والوفاء بالعهد، ولهذا كله كان السلف يخافون على نفسهم النفاق، كما في آخر أثر لإبراهيم التيمي ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا؛ لأن الفعل أملك بالقول من القول بالفعل.
وقد اشتملت هذه الآثار على ثلاث مسائل مهمة تحتاج إلى تحرير وهي: أن الإيمان حقيقة مركبة، لا يصح إلا بوجود أجزائه مجتمعة، والتنصيص على دخول بعض الأعمال في مسمى الإيمان، ثم الخوف من النفاق وعدم توافق الظاهر مع الباطن، أو القول مع الفعل.
فكون الإيمان حقيقة مركبة هو معتقد أهل السنة والجماعة قال ابن القيم: "حقيقة مركبة من: معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علما، والتصديق به عقدا، والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا، والعمل به باطنا وظاهرا، وتنفيذه والدعوة إليه، بحسب الإمكان، وكماله في الحب في اللَّه، والبغض في اللَّه، والعطاء للَّه، والمنع للَّه، وأن يكون اللَّه وحده إلهه ومعبوده"
(1)
، قال ابن جرير الطبري:"الإيمان كلمة جامعة للإقرار باللَّه، وكتبه، ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل"
(2)
، وقد نقل كلامه ابن كثير ثم علّق عليه بقوله: "الإيمان الشرعي المطلوب، لا يكون إلا اعتقادا، وقولا، وعملا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن
(1)
الفوائد (107).
(2)
تفسير ابن جرير (1/ 101).
حنبل، وأبو عبيدة، وغير واحد إجماعا، أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص، وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث"
(1)
، وقال الآجري:"الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقا بقلبه، وناطقا بلسانه، وعاملا بجوارحه"
(2)
.
ولئن كان هذا معتقدهم فلا غرو أن توجد نصوص كثيرة وآثار عديدة كما قال ابن كثير في بيان هذا المعنى، من جملتها ما نقلته سابقا، وأما النصوص الشرعية فهى كثيرة جدا كذلك، لعل أشهر ذلك في القرآن الكريم وأصرحه قوله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}
(3)
، قال أبو عبيد:"أي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية"
(4)
، وقال ابن عبد البر:"لم يختلف المفسرون أنه أراد: صلاتكم إلى بيت المقدس"، وقال النووي: "إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال اللَّه تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ، أجمعوا على أن المراد: صلاتكم، وأما الأحاديث فستمر بك في هذا الكتاب منها جمل
(1)
تفسير ابن كثير (1/ 41 - 42)، وانظر مجموع الفتاوى (7209، 308)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/ 956)، كلاهما نسبا قول الشافعي لكتابه الأم ولم أجده في المطبوع منه واللَّه أعلم.
(2)
الشريعة (2/ 618).
(3)
سورة البقرة، من الآية (143).
(4)
الإيمان (15).
مستكثرات واللَّه أعلم"
(1)
.
وأما من السنة فمن أشهر وأصرح دليل في ذلك حديث وفد عبد القيس الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه وفد عبد القيس، فقالوا: إنا من هذا الحى من ربيعة، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بشيء نأخذه عنك، وندعو إليه من وراءنا، فقال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الإيمان باللَّه، هل تدرون ما الإيمان باللَّه؟ شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس"
(2)
، قال ابن أبي العز:"أي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسَّر الإيمان بالأعمال، ولم يذكر التصديق، مع العلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود"
(3)
.
فانتظمت نصوص الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، فمن بعدهم على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ولهذا قال ابن رجب:"أنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا شديدا"
(4)
، ولم يستثنوا من ذلك حتى أخف الطوائف إرجاء، وهم مرجئة الفقهاء قال شيخ الإسلام: "لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول اللَّه
(1)
شرح مسلم (1/ 149).
(2)
متفق عليه؛ أخرجه البخاري رقم (4110)، ومسلم رقم (17).
(3)
شرح العقيدة الطحاوية (346).
(4)
جامع العلوم والحكم (1/ 27).
ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام، من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ، سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم -يعني المرجئة- أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة"
(1)
.
وأما مسألة الخوف من النفاق، والتلازم بين الظاهر والباطن، والقول والفعل؛ لأن أهل السنة والجماعة لما أدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان، خافوا من عدم توفية هذا الركن حقه، فخشوا على نفسهم النفاق، أما المرجئة فلما لم يدخلوا الأعمال في مسماه قالوا بأن إيمانهم كإيمان جبريل، قال ابن رجب: "الآثار عن السلف في هذا كثيرة جدا، قال سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول نفاق، وهم يقولون: لا نفاق
(2)
، وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاق على نفسه، قيل له: إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يبتلي بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قول أهل البدع، يشير إلى أن عمر كان يخاف على النفاق على نفسه في الحال، والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر"
(3)
.
(1)
ثم نقل نقولا أخرى عن السلف في ذمهم مجموع الفتاوى (7/ 394).
(2)
أخرج كلامه هذا الفريابي في صفة النفاق (78).
(3)
جامع العلوم والحكم (1/ 434).