الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إني أرى فتنة تغلي مراجلها
…
فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا"
(1)
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان ملحظ من ملاحظ السلف في تحريم الخروج على الحاكم المسلم، وهو الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها، فقد كتب عمرو بن عبيد إلى ابن شبرمة
(2)
، يحثه على الجهاد
(1)
إسناده حسن، عاصم هو بن أبي النجود المقرئ المشهور صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون التقريب (3071)، الإشراف (105) رقم (7)، وابن سعد في الطبقات (4/ 169) ونسب الأبيات في (5/ 39) لأزنم الفزاري، وكذلك ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 238) وعلق بقوله:"فكان الأمر كما قال"، والطبري في تاريخه (5/ 500)، والذهبي في السير (3/ 216)، وابن قتيبة في المعارف (352)، وابن عساكر في تاريخه، وقال ابن الأثير:"يريد لما نزل معاوية بن يزيد عن الخلافة، واختصم عليها مروان بن الحكم، والضحاك بن قيس الفهري، وعبد اللَّه بن الزبير".
(2)
وهذا أسلوب من أساليب الخوارج والمنحرفين وهو اكتساب الشرعية من علماء الأمة الذين لهم لسان صدق فيها، أن يحاولوا توريطهم، بأن يجروهم إليهم أو يأخذوا على أقل تقدير بفتوى تؤيدهم، فيطيرون بها لتكثير سوادهم، وهم أشد حرصا على مثل هذا التأييد إما بالفعل وإما بالقول، وقد يلاقون من بعض عوام علماء أهل السنة، أو ممن أصابتهم غفلة الصالحين، أو من غرروا به بقلب الحقائق وتقليب الواقع، شيئا من مرادهم، فيقع بذلك شر عظيم، والخبير بمجريات الفتن في العصر الحديث في عدة بلدان إسلامية يرى من ذلك العجب، لكن الأعجب هو مثل هذه الآثار التي يجب التفقه فيها والتأمل في معانيها كيف تعامل السلف مع =
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فقيه أهل الكوفة وقاضيها، فبيّن له أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بإشهار السيف على الخليفة، ثم علّل ذلك بأن القتل ضرار، وأن من عجز عن الأمر والنهي فهو معذور وعاذلوه أشرار، وهكذا بلدِيُّه وعصرِيُّه الأعمش طلب منه الخروج، فأجاب بقاعدة عامة هامة بأنه لا يعرف أحدا يجعل عرضه دونه، فكيف يجعل دمه دونه، وقبلهما ابن عمر رضي الله عنه لما طلب منه يزيد المبايعة بعد معاوية رضي الله عنه وكان قد حصل نزاع عليها، أبي خشية أن لا يجتمع عليه المسلمون، وقال قولة عظيمة: ما يسرّني أن العرب دانت لي سبعين عاما، وأنه قتل في سيي رجل واحد، وهكذا كان السلف حريصين على حقن الدماء، ويتخذون في ذلك كل الوسائل، ويسدون عنه كل المنافذ، وقد ذكر هذا الأمر غير واحد من العلماء عند كلامهم على الأحاديث التي تنهى عن الخروج ونكث البيعة، قال ابن بطال: "في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة
= هؤلاء الأغمار، ولكل قوم وارث فانظر من ترث، ولا يغرنّك أن بعضهم قد يكون على السنة في غير هذه المسألة؛ فإن الذين دخلوا على الإمام أحمد يستشيرونه في أمر الخروج كانوا من فقهاء بغداد، ولما خرجوا من عنده قال بعضهم لابنه:"امض معنا إلى منزل فلان، رجل سمَّوْه، حتى نوعده لأمر نريده، فقال الإمام لابنه: "لا تذهب، واعتل عليهم، فإني لا آمن أن يغمسوك معهم، فيكون لأبي عبد اللَّه في ذلك ذكر" انظر ذكر محنة الإمام أحمد (70 - 72)، وقد سبق في الباب الأول مطلب في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة.
السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها"
(1)
، وقال ابن حجر:"في الحديث وعيد شديد في نكث البيعة، والخروج على الإمام، لما في ذلك من تفرق الكلمة، ولما في الوفاء من تحصين الفروج، والأموال، وحقن الدماء"
(2)
، ولهذا:"مدح الحسن، وأثني عليه بما أصلح اللَّه به بين الطائفتين، حين ترك القتال، وقد بويع له، واختار الأصلح، وحقن الدماء، مع نزوله عن الأمر، فلو كان القتال مأمورا به لم يمدح الحسن، ويثنى عليه بترك ما أمر اللَّه به، وفعل ما نهى اللَّه عنه"
(3)
، وقال القرطبي:"كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلم الأمر إلى معاوية"
(4)
، وقال ابن حجر:"ترك الملك لا لقِلَّة، ولا لذِلَّة، ولا لعِلَّة، بل لرغبته فيما عند اللَّه، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة"
(5)
، وقال شيخ الإسلام: "الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور. . . ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من
(1)
فتح الباري (13/ 7).
(2)
المصدر السابق (13/ 203)، وانظر عمدة القاري (14/ 221).
(3)
مجموع الفتاوى (28/ 513).
(4)
تفسير القرطبي (4/ 77).
(5)
فتح الباري (13/ 66).
الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم، والخروج عليهم، هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدا، أو مخطئا، لم يحصل بفعله صلاح بل فساد، ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن. . . ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نزع يد من طاعة، ولا مفارقة للجماعة، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في الصحيح كلها تدل على هذا. . . وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه، التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بترك واجب أو مستحب"
(1)
.
ومن درر كلام الإمام أحمد في هذا جوابه لمن أراد الخروج على السلطان بقوله: "سبحان اللَّه! الدماء الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة، يسفك فيها الدماء، ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه يعني أيام الفتنة؟ قلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد اللَّه؟ قال: وإن كان؛ فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك خير لك، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال: الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به"
(2)
.
(1)
منهاج السنة (4/ 530).
(2)
السنة للخلال (1/ 132).