الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنا إذا صيح بنا أبينا
…
وبالصياح عوَّلوا علينا
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من السائق؟ ، قالوا: عامر، قال: يرحمه اللَّه، فقال رجل من القوم: وجبت واللَّه يا رسول اللَّه، لو متّعتنا به، قال: فأصيب بحنين"
(1)
.
487 -
حدثني مفضل بن غسان حدثني، أبي نا ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه قال:"إن هذه الأخلاق منائح يمنحها اللَّه عز وجل من يشاء من عباده، فإذا أراد اللَّه بعبد خيرا منحه منها خلقا حسنا"
(2)
.
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أمر مهم من أمور القدر وهو إثبات أن التوفيق للأعمال الصالحة، والهدى والطاعة متعلق بمشيئه اللَّه، وأنه إذا حصل توفيق اللَّه للعبد نال كل خير، ولذلك فإنك تجد في هذه الآثار فقه السلف لهذا الأمر، فعند سكرات الموت يستعين عامر بن عبد اللَّه باللَّه على مصرعه، ويناجي عامر بن عبد قيس ربه فيطلب منه أن يمسكه عن فعل المعاصي، وأنه إن لم يحصل هذا الإمساك فكيف سيستمسك؟ ، وهكذا ابن مسعود رضي الله عنه ذكر أن اللَّه هو المعطي للخير، الواقي من الشر، ومحمد بن كثير ذكر أن رضا اللَّه لا نملكه بل هو سبحانه يعطينا ما نرضيه
(1)
الإشراف (258 - 259) رقم (330)، وأخرجاه: البخاري (7/ 463 - 464)، ومسلم كتاب الجهاد (18/ 165 - 167)، وكان صلى الله عليه وسلم إذا ترحم على أحد رزق الشهادة.
(2)
سبق (468) الأثر مخرجا.
به، ومالك بن دينار يسأل اللَّه أن يصلحه لأنه هو الذي أصلح الصالحين، والأعرابي الذي طاف بالبيت ناجى ربه واعترف بأنه أطاعه بإذنه والمنة له، وفي أثر نمير الأشعري توضيح أدق حيث ذكر أن الأدب من الآباء وهو فعلهم وهم سببه، لكن نتيجة ذلك وأثره وهو الصلاح فمن اللَّه، وكذا وراد العجلي يناجي ربه بأن يعينه بتوفيقه لفعل طاعته واجتناب نواهيه، بل إن عمر بن عبد العزيز رغم عدله في الرعية، فإنه خاف أن لا تقوم نفسه بحجتها أمام اللَّه إلا أن يلقنه إياها اللَّه تعالى، وخطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بيّنت أن فعل العبل واستطاعته ليس ممكنا إلا باللَّه، وهكذا بقية الآثار في أن كل خير وفعل حسن فإنه بتوفيق اللَّه ومنه ونعمته على عبده.
ومسألة الهداية والضلال هي: "قلب أبواب القدر ومسائله؛ فإن أفضل ما يقدر اللَّه لعبده، وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به، ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال، وقد اتفقت رسل اللَّه من أولهم إلى أخرهم، وكتبه المنزلة عليهم، على أنه سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده، لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه، ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن؛ فأما مراتب الهدى فأربعة؛ إحداها: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها، وما
يقيمها، وهذا أعم مراتبه.
المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة، والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين، وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى، وأعم من الثالثة.
المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق، ومشيئة اللَّه لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى، وإرادته، والقدرة عليه للعبد، وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا اللَّه عز وجل.
المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار"
(1)
.
(1)
شفاء العليل (117).