الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
170 - باب ما جاءَ فِي البِناءِ
5235 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنا حَفْصٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي السَّفَرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: مَرَّ بي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنا أُطَيَّنُ حائِطًا لي أَنا وَأُمّي فَقالَ: "ما هذا يا عَبْدَ اللَّهِ؟ ". فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَيء، أُصْلِحُهُ فَقالَ:"الأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذاكَ"(1).
5236 -
حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ وَهَنّادٌ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بإِسْنادِهِ بهذا قالَ: مَرَّ عَلي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نُعالِجُ خُصًّا لَنا وَهَي فَقالَ: "ما هذا؟ ".
فَقُلْنا: خُصٌّ لَنا وَهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما أَرى الأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ"(2).
5237 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ حَكِيمٍ، قالَ: أَخْبَرَني إِبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ القُرَشي، عَنْ أَبي طَلْحَةَ الأَسَدي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فَرَأى قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقالَ:"ما هذِه؟ ". قالَ لَهُ أَصْحابُهُ: هذِه لِفُلانٍ -رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ-. قالَ: فَسَكَتَ وَحَمَلَها في نَفْسِهِ حَتَّى إِذا جاءَ صاحِبُها رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عَلَيْهِ في النّاسِ أَعْرَضَ عَنْهُ صَنَعَ ذَلِكَ مِرارًا، حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الغَضَبَ فِيهِ والإِعْراضَ عَنْهُ فَشَكا ذَلِكَ إِلَى أَصْحابِهِ فَقالَ: واللَّه إِنّي لأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قالُوا: خَرَجَ فَرَأى قُبَّتَكَ. قالَ: فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَها حَتَّى سَوّاها بِالأَرْضِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَها قالَ:"ما فَعَلَتِ القُبَّةُ؟ ". قالُوا: شَكا إِلَيْنا صاحِبُها إِعْراضَكَ عَنْهُ فَأَخْبَرْناهُ فَهَدَمَها. فَقالَ:
(1) رواه الترمذي (2335)، وابن ماجه (4160)، وأحمد 2/ 161.
وصححه الألباني.
(2)
انظر سابقه.
"أَما إِنَّ كُلَّ بِناءٍ وَبالٌ عَلَى صاحِبِهِ إِلَّا ما لا إِلَّا ما لا". يَعْني: ما لا بُدَّ مِنْهُ (1).
* * *
باب ما جاء في البناء
[5235]
(ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا حفص)(2) بن غياث، النخعي، قاضي الكوفة (عن الأعمش عن أبي السفر) (3) سعيد بن محمد الهمداني (عن عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص رضي الله عنه (قال: مر بي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا أطين حائطًا) أي: حائط خص (لي) بدليل الرواية الآتية، وهي رواية الترمذي وابن ماجه (4) (أنا وأمي) اسم أمه ريطة بنت منبه بن الحجاج السهمية (فقال: ما هذا) هو استفهام إنكار وتوبيخ (يا أبا عبد اللَّه؟ )(5) فيه نداء الرجل بكنيته؛ لأن فيه نوع إكرام (فقلت: يا رسول اللَّه، شيء) أصلحه من بيتي (فقال: الأمر) أي: أمر الآخرة وهجوم الموت (أسرع من ذاك)(6) الذي تصلحه.
(1) رواه ابن ماجه (4161)، وأحمد 3/ 220.
وصححه الألباني في "الصحيحة"(2830).
وله شاهد عن خباب بن الأرت موقوفا عند البخاري (5672).
(2)
فوقها في (ل): (ع).
(3)
فوقها في (ل): (ع).
(4)
"سنن الترمذي"(2335)، "سنن ابن ماجه"(4160).
(5)
كذا في (ل)، (م)، وفي "سنن أبي داود": عبد اللَّه. وفي كتب التراجم كنيته: أبو عمر، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو نصير.
(6)
بعدها في (ل)، (م): ذلك. وعليها: خـ.
[5236]
(ثنا عثمان بن أبي شيبة وهناد) بن السري (المعنى قالا: ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير.
(عن الأعمش بإسناده هذا قال: مر علي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن)[لفظ الترمذي وابن ماجه: مر علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن](1) نعالج خصا (2). أي: نعمل، منه حديث العبد:"وليَ حره وعلاجه"(3) أي: عمله (نعالج خصا لنا) الخص بيت يعمل من الخشب والقصب، سُمِّي به لما فيه من الخصاص وهي الفرج والأثقاب، ومنه الحديث: أن أعرابيًّا أتى باب النبي صلى الله عليه وسلم فألقم عينه خصاصة الباب (4). أي: فرجته، وأنشد الجوهري:
الخص وفيه تقر أعيننا
…
خير من الأجر والكمد (5)
والكمد هو الحزن المكتوم الذي يحصل من البناء (6) بالآجر والحجر (وهى) أي: تشقق أو خرب أو كاد (فنحن نصلحه، فقال: ما أرى) بضم الهمزة أي: أظن (الأمر) الذي ننتظره (إلا أعجل) أي: أسرع (من ذلك) الذي تصلحه.
وفيه: الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة واغتنامها ما دامت
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(2)
"سنن الترمذي"(2335)، "سنن ابن ماجه"(4160).
(3)
رواه البخاري (5460) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(4)
رواه النسائي 8/ 60 من حديث أنس.
(5)
"الصحاح" 3/ 1037، وعزاه الجوهري للفزاري.
(6)
ساقطة من (م).
المكنة قبل هجوم الموت وانقطاع الأمل، وترك الاشتغال بالأمور الدنيوية إلا ما لابد منه، ويكون قدر الضرورة دون زيادة عليها.
[5237]
(ثنا أحمد) بن عبد اللَّه (بن يونس) اليربوعي (حدثنا زهير، ثنا عثمان بن حكيم) بن عباد الأوسي، أخرج له مسلم.
(أخبرني إبراهيم بن محمد بن حاطب) بالحاء المهملة الجمحي المدني، صدوق.
(القرشي عن أبي طلحة الأسدي) لا يعرف اسمه، وهو مقبول، روى عن كبار التابعين.
(عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج) يومًا ونحن معه (فرأى قبة) وهي بيت صغير مستدير (مشرفة) بفتح الشين والراء المشددة، أي: مرتفعة البناء (فقال: ما هذِه؟ ) القبة (فقال له أصحابه: ) هذِه قبة (لفلان، رجل) بالجر بدل مما قبله (من الأنصار) بناها له.
وروى أبو داود في "المراسيل" أن العباس بن عبد المطلب بنى غرفة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اهدمها أو تصدق بثمنها"(1).
(فسكت وحملها في نفسه) وإن كان هو العباس فقد سكت إكرامًا لعظم حقه عنده، وسياق ما بعده (2) يدل على أنه غيره (حتى إذا جاء صاحبها) إلى (رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في) جملة (الناس أعرض عنه) ثم جاء فسلم عليه وعلى جملة من معه من الناس، فأعرض عنه (صنع ذلك مرارًا حتى عرف الرجل الغضب فيه) أي: في وجهه (والإعراض عنه).
(1)"المراسيل"(495) بنحو هذا اللفظ.
(2)
في (م): تقدم.
ولابن ماجه لما قيل له عن القبة فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كل مال كان هكذا فهو وبال على صاحبه يوم القيامة"(1).
(فشكا) الأنصاري (ذلك إلى أصحابه فقال: واللَّه إني لأنكر) حال (رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) في اجتماعي به (قالوا: خرج فرأى قبتك) التي بنيتها.
وفيه: تأديب كل أحد بما يراه الأستاذ أو الحاكم، فمن الناس من يكون تأديبه بالعقوبة، ومنهم من يؤدبه بالقول الغليظ، ومنهم من يؤدبه بالإعراض عنه والهجر حتى يرجع.
(قال: فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض) طلبًا لرضا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. ولا يقال: إن هذا فيه إضاعة مال لا يجوز، بل إضاعة المال إنما كانت في عمارتها قد استهلكت، فإن المال المنفق فيها هو وبال عليه وهلاك له في عاقبته غير محترم، لكن مع هذا لا يجوز لغيره هدمه.
(فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم) لحاجة له (فلم يرها، فقال: ما فعلت القبة؟ قالوا) له أصحابه: (شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه).
فيه: أن من رأى من شيخه أو أستاذه إعراضا لم يكن يعهده قبله فيسأل أصحابه عن ذلك، فإن كان عندهم من علم أخبروه عنه؛ ليخرج عن موجبه ويتوب منه، وإن لم يكن عندهم منه شكا إليه من ذلك.
(فأخبرناه فهدمها، فقال: أما إن كل بناء) فهو (وبال على صاحبه) الوبال في الأصل الثقل والمكروه ويريد به في الحديث العذاب في
(1)"سنن ابن ماجه"(4161).
الآخرة وسوء العاقبة، والمراد بالبناء الذي هو وبال على صاحبه بناء القصور المشيدة والحصون المانعة والغرف المرتفعة فوق العقود المحكمة التي تتخذ للترفه ووصول الأهويه إلى النازل بها، ويرجون بذلك التمكن في الدنيا والتشبه بمن يتمنى الخلود في الدنيا ويلتهي بذلك عن ذكر الآخرة، فنسأل اللَّه تعالى العافية من ذلك.
وقد ذم اللَّه تعالى فاعل ذلك بقوله تعالى {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)} (1) قيل: المصانع هي القصور المشيدة وبروج الحمام.
(إلا ما لا) فيه حذف تقديره: أن كل بناء فهو وبال على صاحبه إلا ما لا بد من فعله للإنسان مما يستره من الحر والبرد ويقيه فساد السباع ونحوها من اللصوص التي ترتفع على البناء القصير وتتسور الجدار لينزل على صاحب الجدار فيسرق ما يجده، فيباح ارتفاع الجدار بقدر ما يدفع ضرر المفسدين إلا ما لا بد للإنسان منه.
ونظير هذا الحذف قول العرب: افعل هذا إما لا. أي: إن كنت لا تفعل غيره فافعله.
ومما ورد في ذم البنيان ما رواه أبو داود في "المراسيل" عن عطية بن قيس قال: كان حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بجريد النخل، فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في مغزى له وكانت أم سلمة موسرة، فجعلت مكان الجريد لبنًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما هذا؟ " قالت: أردت أن أكف عني أبصار الناس. فقال: "إن شر ما ذهب فيه مال المرء المسلم البنيان"(2).
(1) الشعراء: 129.
(2)
"المراسيل"(494).
وعن الحسن قال: لما بنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المسجد قال: "ابنوه عريشًا كعريش موسى عليه السلام". قيل للحسن: وما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العريش. يعني: السقف رواه ابن أبي الدنيا (1). وعن عمار بن عامر قال: إذا رفع الرجل بناء فوق سبع أذرع نودي: يا أفسق الفاسقين، إلى أين؟ رواه ابن أبي الدنيا موقوفًا (2)، ورفعه بعضهم (3).
* * *
(1) في "قصر الأمل"(286).
(2)
في "قصر الأمل"(250).
(3)
رواه أبو نعيم في "الحلية" 3/ 75 من حديث أنس مرفوعًا، وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" 3/ 306.
ورواه ابن أبي الدنيا موقوفًا عليه، ورفعه بعضهم، ولا يصح.
قال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب"(1181): موضوع موقوف.