الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
67 - باب فِي النَّصِيحَةِ
4944 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا سهَيْلُ بْنُ أَبي صالِحٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدّاري قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ". قالُوا: لِمَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: "للَّه وَكِتابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ المُؤْمِنِينَ وَعامَّتِهِمْ، وَأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ"(1).
4945 -
حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنا خالِدٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قالَ: بايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ والطّاعَةِ وَأَنْ أَنْصَحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ -قالَ- وَكانَ إِذا باعَ الشَّيء أَوِ اشْتَراهُ قالَ: "أَما إِنَّ الذي أَخَذْنا مِنْكَ أَحَبُّ إِلَيْنا مِمَّا أَعْطَيْناكَ، فاخْتَرْ"(2).
* * *
باب في النصيحة
[4944]
(ثنا أحمد) بن عبد اللَّه (بن يونس) اليربوعي، الحافظ (ثنا زهير، ثنا سهيل بن أبي صالح) السمان (عن عطاء بن يزيد) الليثي (عن تميم) بن أوس بن خارجة (الداري) وقيل: هو ديري. أسلم سنة تسع.
(قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن الدين) أي: عماد الدين وقوامه النصيحة كقولهم: الحج عرفة. (النصيحة) مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب.
(1) رواه مسلم (55).
(2)
رواه البخاري (2157)، ومسلم (56) مختصرًا.
وقيل: إنها مأخوذة عن: نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص المقول من الغش بتخليص العسل من الخلط.
قال ابن بطال: في هذا الحديث أن النصيحة تسمى دينًا وإسلامًا، وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول، والنصيحة فرض لازم قدر الطاقة، إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة (1).
(إن الدين النصيحة) تأكيدات حثًّا على العمل بها (إن الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول اللَّه؟ قال: للَّه) والنصيحة للَّه تعالى معناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الإكمال والإجلال كلها، وتنزيهه سبحانه عن جميع أنواع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه، والبغض فيه، والإخلاص في الدعاء.
(وكتابه) فالإيمان به أنه كلام اللَّه ومنزله، وأنه لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله ولا سورة منه أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، والذب عنه لتأويل الطاعنين، وتفهم علومه، والاعتبار بمواعظه.
(ورسوله، وأئمة المؤمنين (2) وعامتهم) فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به، ونصرته حيًّا وميتًا، ومعاداة من عاداه،
(1)"شرح ابن بطال" 1/ 129.
(2)
في (ل)، (م): لأئمة المسلمين. والمثبت كما في "سنن أبي داود".
ومولاة من والاه، وإحياء سنته ونشرها، واستنارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها (أو أئمة المسلمين) بمعاونتهم على الحق وأمرهم به، وتنبيههم برفق، وإعلامهم بما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وأن يُدعى لهم بالصلاح.
(وعامتهم) وهم من عدا ولاة الأمر من الرعية بإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم.
[4945]
(ثنا عمرو بن عون) الواسطي الحافظ (أنا خالد) بن عبد اللَّه الطحان المزني الواسطي (عن يونس)(1) بن عبيد بن دينار العبدي القيسي (عن عمرو بن سعيد) البصري مولى ثقيف (عن أبي زرعة) قيل: اسمه هرم. وقيل: عبد اللَّه. وقيل: عبد الرحمن (بن عمرو بن جرير) البجلي (عن) جده (جرير) بن عبد اللَّه البجلي رضي الله عنه (قال: بايعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) كانت مبايعته رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مرات متعددة في أوقات مختلفة، بحسب ما كان يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر؛ فلذلك اختلفت ألفاظها كما دلت عليه الأحاديث الآتية.
(على السمع) أي: استماع قوله سماع تعقل وتفهم (والطاعة) لما أمر به أو نهى عنه، ومن الصلاة والزكاة، ولهذا في رواية: بايعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة (2). ولم يذكر في رواية مسلم الصوم والحج وغيرهما (3)؛ لدخول ذلك في السمع والطاعة. وزاد في رواية
(1) فوقها في (ل): (ع).
(2)
رواه البخاري (57)، ومسلم (56).
(3)
"صحيح مسلم"(56).
مسلم: "فيما استطعت"(1). فهو كقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (2) إذ قد يعجز الإنسان في بعض الأحوال.
وفيه: العفو عن الهفوة والسقطة وما وقع من خطأ أو تفريط.
(وأن أنصح لكل مسلم) بأن أكون معهم كما قال عليه السلام: "أن تؤتيهم ما تحب أن يؤتى إليك، وتكره لهم ما تكره لنفسك"(3). وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(4)، وإذا كان هذا في حق المسلم فالعلماء والأئمة أولى بذلك.
(قال) وكان جرير (إذا باع الشيء أو اشتراه قال: أما) بتخفيف الميم (إن الذي أخذنا) هـ (منك أحب) بالرفع (إلينا مما أعطيناك، فاختر) لنفسك الإمضاء أو الفسخ.
وروى الحاكم عن أبي سباع قال: اشتريت ناقة من بلاد واثلة بن الأسقع، فلما خرجت بها أدركني يجر إزاره فقال: اشتريت؟ قلت: نعم. قال: بين لك ما فيها؟ قلت: وما فيها؟ قال: إنها لسمينة ظاهرة الصحة. قال: أردت بها سفرًا أو أردت لحمًا؟ قلت: أردت بها الحج. قال: فارتجعها؛ فإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لأحد يبيع شيئًا إلا بين ما فيه، ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا بينه"(5)، ولابن
(1)"صحيح مسلم"(56)(99).
(2)
البقرة: 286.
(3)
رواه أحمد 3/ 472 - 473 من حديث عبد اللَّه اليشكري مرفوعًا.
(4)
رواه البخاري (13)، ومسلم (45) من حديث أنس مرفوعًا.
(5)
"المستدرك" 2/ 9 - 10.
ماجه: "من باع عيبًا لم يبينه لم يزل في مقت اللَّه -أو- لم تزل الملائكة تلعنه"(1). وروي أن جريرًا كان إذا قام على السلعة يبيعها بصر بعيوبها ثم خير فقال: إن شئت فخذ، وإن شئت فاترك (2).
وروي في حديث واثلة أنه قال لمشتري الناقة: إنها نقباء، وإنها لا تصلح للسير. فعاد فردها، فنقصه البائع مائة درهم (3). فقد فهمت الصحابة من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه، ولم يعتقدوا ذلك من الفضائل وزيادة المقامات، بل اعتقدوا أنها من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعته.
قال الغزالي: وهذا أمر يشق على أكثر الخلق؛ فلذلك يختارون التخلي للعبادة والاعتزال عن الناس، ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بأن يعتقد أمرين:
أحدهما: أن يعلم أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه، بل يمحقه ويذهب بركته، والصدقة لا تنقصه، فإن الدرهم الواحد قد يبارك فيه حتى يكون سببًا لسعادة المرء في الدين والدنيا.
الأمر الثاني: أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا، فإن فوائد أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر، والخير كله في سلامة
(1)"سنن ابن ماجه"(2247) من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا، وضعفه البوصيري في "مصباح الزجاجة" 3/ 30.
(2)
رواه الطبراني 2/ 359 (2510) من حديث جرير.
(3)
رواه أحمد 3/ 491 بنحوه من حديث واثلة بن الأسقع دون لفظ: "فنقصه البائع مائة درهم".
الدين (1).
وروى أبو يعلى (2) من حديث أنس بسند ضعيف: "لا تزال لا إله إلا اللَّه تدفع عن الخلق سخط اللَّه ما لم يؤثروا صفقة (3) دنياهم على آخرتهم"(4).
* * *
(1)"إحياء علوم الدين" 2/ 76.
(2)
في (ل)، (م): علي. ولعلها كما أثبتناها؛ لأن أبا يعلى روى هذا الحديث كما سيأتي في تخريجه.
(3)
في (ل)، (م): صفة. وما أثبتناه كما في "شعب الإيمان" 7/ 337 (10497).
(4)
"مسند أبي يعلى" 7/ 95 (4034)، ورواه أيضًا البيهقي في "شعب الإيمان" 7/ 337 (10497) كلاهما من حديث أنس مرفوعًا.