الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأحزان والمتاعب. وقد كتب عليّ بن أبي طالب إلى سلمان- رضي الله عنهما: «إنما مثل الدنيا كمثل الحية، لَيِّن مسها، قاتل سمها، فأعرض عنها، وعما يعجبك منها، لقلة ما يصحبك منها، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، وكن أسرّ ما تكون منها، احذر ما تكونُ منها، فإن صاحبها، كلما اطمأن فيها إلى سرور، أشخص منها إلى مكروه» .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذه الدار دار الثوى، لا دار استواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخائها، ولم يحزن لشقائها- أي: لأنهما لا يدومان- ألا وإن الله خلق الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، وأنها سريعة الثوى- أي: الهلاك- وشيكة الانقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها، لمرارة فطامها، واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها وقد أراد الله منكم اجتنابها، فتكونوا لسخطه متعرضين، ولعقوبته مستحقين. هـ. ذكره ابن وداعة الموصلي.
وذكر أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا إلتاط منها بثلاث: شغل لا ينفد عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه، إن الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا، حتى يستكمل رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعُنقه، ألا وإن السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها، على فانية لا ينفك عذابها، وقدّم لِمَا يُقْدِمُ عليه مما هو الآن في يده، قبل أن يُخلفه لمن يسعد بإنفاقه، وقد شقي هو بجمعه واحتكاره» .
ثم ذكر مآل من اغتر فيها، قال:
[سورة القصص (28) : الآيات 63 الى 67]
قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67)
قلت: «هؤلاء» : مبتدأ. و «الذين» : صفته، والعائد: محذوف، و «أغويناهم» : خبر. والكاف في «كما» : صفة لمصدر محذوف، أي: أغويناهم غياً مثل ما غوينا، و «لو أنهم» : جوابه محذوف، أي: لما رأوا العذاب.
يقول الحق جل جلاله: قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بالعذاب، وثبت مقتضاه، وهو قوله تعالى:
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «1» ، وهم الشياطين، أو: أئمة الكفر: ورؤساء الكفرة: رَبَّنا هؤُلاءِ الكفرة الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ أي: دعوناهم إلى الشرك وسوّلناه لهم، قد غَووا غياً كَما مثل ما غَوَيْنا يقولون: إنا لم نغو إلا باختيارنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن إغواءنا لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً، فلا فرق إذن بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان، بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل إليهم من الكتب، وهذا كقوله: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ
…
إلى قوله: وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ
…
«2» .
ثم قالوا: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم فيما اختاروه من الكفر، ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ، بل كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شهواتهم. فَتَحَصَّلَ من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم غَرُّوا الضعفاء، وتبرءوا من أن يكونوا آلهتهم، فلا تناقض. انظر ابن جزي. وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين للجملة الأولى.
وَقِيلَ للمشركين: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي: الأصنام «3» لتُخلصكم من العذاب، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، فلم يجيبوهم لعجزهم عن الإجابة والنصرة. وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ لَمَّا رأوا ذلك العذاب، وقيل:«لو» للتمني، أي: تمنوا أنهم كانوا يهتدون.
وَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ الذي أُرسلوا إليكم؟ أي: بماذا أجبتموهم؟ وهو أعلم بهم. حكي، أولاً، ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما تقوله الشياطين، أو: أئمة الكفر عند توبيخهم لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين، أو الرؤساء، استغووهم، ثم ما يشبه الشماتة بهم لاستغاثتهم بآلهتهم وعجزهم عن نصرتهم.، ثم ما يُبَكَّتُونَ به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل. قال تعالى:
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. وقيل: خفي عليهم الجواب، فلم يدروا بماذا يجيبون إذ لم يكن عندهم جواب.
(1) الآية 119 من سورة هود.
(2)
من الآية 22 من سورة إبراهيم.
(3)
وكذلك كل ما أشرك مع الله.