الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في أهل السموات: إن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّمَاءِ، ثم يُوضَع له القَبولُ في الأرض» «1» . أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: وَاغْفِرْ لِأَبِي.. إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكر في وقت غَلَبَةِ البَسْط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابةُ العبد واجبةً عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه:
أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كلُّ أحدٍ. هـ.
قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ «2» ، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله:(وأيُّ خِزْيٍ أعظم من كون أبي في النار..) الحديث، وكذا قوله: وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «3» ، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أُبَيّ، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً «4» . هـ.
وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يُخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضاً، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجودُ بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليماً بينهما، أي: لا يكون ملتفتاً إلى المال، ولا يكون حريصاً على إمساكه، ولا حريصاً على إنفاقه فإن الحريصَ على الإنفاق مصروفُ القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعاً. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. هـ. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. هـ. وبالله التوفيق.
ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال:
[سورة الشعراء (26) : الآيات 90 الى 104]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94)
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَما أَضَلَّنا إِلَاّ الْمُجْرِمُونَ (99)
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)
(1) أخرجه البخاري فى (الأدب، باب المقة «المحبة» من الله ح 6640) ومسلم فى (البر والصلة، باب إذا أحب الله عبدا حبّبه إلى عباده، 4/ 2030، ح 2637) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه.
(2)
من الآية 114 من سورة التوبة.
(3)
من الآية 36 من سورة إبراهيم. [.....]
(4)
من الآية 7 من سورة غافر.
قلت: (وأُزلفت) : عطف على (ينفع) ، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع.
يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: وَأُزْلِفَتِ أي: قُّربت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ: أُظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، لِلْغاوِينَ: للكافرين، وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع العذاب عنكم، أَوْ يَنْتَصِرُونَ بدفعه عن أنفسهم، يوبّخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وَقُودُ النار، كما قال تعالى:
فَكُبْكِبُوا فِيها أي: أُلقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبّه: قَلَبَهُ وصرعه، كأكبه وكبكبه. هـ. أي: صُرِعُوا منكبين في الجحيم على وجوههم، هُمْ أي:
آلهتهم وَالْغاوُونَ أي: الذين كانوا يعبدونهم.
وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مُؤَخِّرُونَ عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غماً على غم، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أي: يكبكبون معهم أَجْمَعُونَ، وهم شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويُسَوِّلُونَ لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو: متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه.
قالُوا أي: العبدة وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ أي: قالوا معترفين بخطائهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين، فيجوز أن يُنطق الله الأصنامَ، حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين.
قالوا: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، إِذْ نُسَوِّيكُمْ نَعْدِلُكُم بِرَبِّ الْعالَمِينَ فنعبدُكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسْويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ أي:
رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سنَّ الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا «1» . وعن السُّدِّي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيّا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
ثم قالوا: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء- عليهم السلام وغيرهم ممن أُهِّلَ للشفاعة. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية. أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحّد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال:(اسم لا معنى له)، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع.
قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عَبْدٌ فيُحاسَبُ، فتستوي حسناتُه وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرْضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدى بقيت لك حسنةٌ، إن كانت أدخلناك الجنةََ، انْظُرْ، وتَطَلَّبْ من الناس لعلَّ أحداً يهبها لَكَ. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحدٌ إلا بقوله:
أنا اليومَ فقيرٌ إلى حسنةٍ واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحقُّ- سبحانه: ما جئتَ به؟ فيقول: يا ربِّ لم يُعْطِني أحد حسنةً، فيقول الله تعالى: عبدي.. ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبدُ، ويقول: فلان كان صديقاً لي فيك، فيأتيه ويدله الحق عليه، فيكلِّمه، فيقول: بل لي عباداتٌ كثيرة، فإن قَبِلَها الله مني فقد وهبتُها لك، فيُسَرُّ ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربَّه تعالى، فيقول: قد قَبِلتُها منه، ولم أنقص من حقِّه شيئاً، وقد غفرت لك وله- فهذا معناه. هـ. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفَّعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. هـ.
ثم قالوا: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي: رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وجواب لو التَّمْنِيَةِ: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ «لو» ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين.
إِنَّ فِي ذلِكَ أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، لَآيَةً عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدَّعون أنهم على ملة
(1) من الآية 67 من سورة الأحزاب.