الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الورتجبي: إن الله غلب الإنسانية على الكون طاعةً ومعصية، فإذا رزق الإنسان الطاعة صلح الأكوان ببركتها، وإذا رزق المعصية فسد الحدثان بشؤم معصيته لأن طاعته ومعصيته من تواثير «1» لطفه وقهره، عَلَا بنعت الاستيلاء على الوجود، فإذا فسادها يؤثر في بَرِّ النفوس وبحار القلوب، ففساد بَرَّ النفوس: فَتْرَتُهَا عن العبودية، وفساد بحر القلب: احتجابه عن مشاهدة أنوار الربوبية. هـ.
قلت: وقد يقال: ظهر الفساد في بر الشريعة بذهاب حَمَلَتِهَا، ومن يحفظها، ويذب عنها، وفي بحر الحقيقة بقلة صدق من يطلبها، وغربة أهلها، واختفائها حتى اندرست أعلامها، وخفي آثارُها، والبركة لا تنقطع. وذلك بسبب ما كسبت أيدي الناس من إيثار الدنيا على الله ليذيقهم وبال القطيعة لعلهم يرجعون إليه، إما بملاطفة الإحسان، أو بسلاسل الامتحان.
قال في لطائف المنن: سأل بعضُ العارفين عن أولياء العدد، هل ينقصون؟ فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قَطْرَهَا، ولا أنبتت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمدادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم، مع وجود بقائهم. فإذا كان أهل الزمان مُعْرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله لا تنجح فيهم الموعظة، ولا تميلُهم التذكرة، لم يكونوا أهلاً لظهور أولياء الله تعالى فيهم، ولذلك قالوا:
أولياء الله عرائس، ولا يَرَى العرائسَ المجرمون. هـ.
قال القشيري: (قل سيروا) بالاعتبار، واطلبوا الحقَّ بنعت الافتكار، وانظروا: كيف كان حال من تقدمكم من الأشكال والأمثال؟ وقيسوا عليها حُكْمَكم في جميع الأحوال، (كان أكثرهم مشركين) : كان أكثرهم عدداً، ولكن أقل في التحقيق وزنا وقدرا. هـ.
ثم أمر بالتأهب ليوم المعاد، وبه يندفع عن الخلق الفساد، فقال:
[سورة الروم (30) : الآيات 43 الى 45]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (45)
(1) هكذا فى الأصول، وكذا فى الورتجبي. ولعلها: تآثير، جمع تأثير.
يقول الحق جل جلاله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ أي: قوّمه وَوَجّهّه لِلدِّينِ الْقَيِّمِ البليغ في الاستقامة، الذي لا يتأتى فيه عوج ولا خلل. وفيه، من البديع، جناس الاشتقاق. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمتُه تبع، أو: لكل سامع.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ وهو البعث، لا مَرَدَّ لَهُ أي: لا يقدر أحد على رده، ومِنَ اللَّهِ: متعلّق بيأتي، اي:
من قبل أن يأتي من الله يوم لا يردّه أحد، أو بمرد لأنه مصدر، أي: لا مرد له من جهة الله، بعد أن يجيء لتعلق الإرادة به حينئذٍ. يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يتصدّعون، فأدغم التاء في الصاد. وفي الصحاح: الصدع: الشق، يقال صدعته فانصدع، أي: انشق. وتصدّع القوم: تفرقوا. هـ. أي: يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير.
ثم أشار إلى غِنَاهُ عنهم، فقال: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وبال كفره، لا يحمله عنه غيره. وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أي: يسوون لأنفسهم في قبورهم، أو: في الجنة ما يسوي لنفسه الذي يمهد فراشه ويُوطئه لئلا يصيبه في مَضْجَعِهِ ما ينغص عليه مَضْجَعَهُ. وتقديم الظرف في الموضعين للاختصاص، أي: فلا يجاوز عمل أحد لغيره.
ثم علل ما أُمر به من التأهب، فقال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أظهر في موضع الإضمار، أي: ليجزيهم ليدل على أنه لا ينال هذا الجزاءَ الجميلَ إلا المؤمن لصلاح عمله. أثابه ذلك مِنْ فَضْلِهِ أي: بِمَحْضِ تفضله إذ لا يجب عليه شيء، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ، بل يبغضهم ويمقتهم، وفيه إيماء إلى أنه يحب المؤمنين، وهو كذلك، ولا سيما المتوجهين.
الإشارة: أمر الحق تعالى بالتوجه إليه، والتمسك بالطريق التي تُوصل إليه، قبل قيام الساعة لأن هذه الدار هى مزرعة لتك الدار، فمن سار إليه هنا وعرفه عرفه في الآخرة، ومَن قعد هنا مع هواه، حتى مات جاهلاً به بُعِثَ كذلك، كما هو معلوم. ولا يمكن التوجه والظفر بالطريق الموصلة إليه تعالى إلا بشيخ كامل، سلك الطريق وعرفها. ومن رام الوصول بنفسه، أو بعلمه، أو بعقله انقطع لا محالة. قال القشيري: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ: أَخْلِص قصْدَك، وصِدْقَ عَزْمِكَ، بالموافقة للدين القيِّم، بالاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع.
ومَنْ لم يتأدب [بمَنْ]«1» هو إمامُ وقته، ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته كان خُسْرانُه أتَمَّ من ربْحه، ونقصانُه أَعَمَّ من نفعه. هـ.
(1) فى الأصول الخطية [ممن] .