الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدراً، فَجُعِلَ ثَمَّةَ بمعنى المُرْسَل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوّى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معاً بقوله: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم.
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ، «أن» مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خَلِّ بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم.
الإشارة: من كان أهلاً للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المُعِينَ فلا بأس، فإن أُبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يُعظمهم، أقوى فى إدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال:
[سورة الشعراء (26) : الآيات 18 الى 29]
قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22)
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارونُ فرعونَ وبلَّغا الرسالة، قالَ له: أَلَمْ نُرَبِّكَ.. إلخ، رُوي أنهما أتيا بابه فلم يُؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأَذِن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعونُ «1» ، فقال له: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا في حِجْرنا ومنازلنا، وَلِيداً أي: طفلاً. عبّر عنه بذلك لقُرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
، بنسبته تربيته إليه وليداً. ولذلك تجاهل بقوله: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي
…
إلخ، وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله- عز وجل ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفرّ منهم على إثر ذلك. والله أعلم.
ثم قال له: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ يعني: قتل القبطي، بعد ما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبّخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذٍ ممن تكفر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفراً، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين.
قالَ فَعَلْتُها إِذاً أي: إذ ذاك وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو:
الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس عليَّ توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة، وكذلك التربية لا تنافي النبوة.
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ إلى ربي، متوجهاً إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي: حكمة، أو: نبوة وعلماً، فزال عني الجهل والضلالة، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ من جملة رسله، وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي: تلك التربية نعمة تمُن بها عليّ ظاهراً، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أَوَ تلك نعمةٌ تَمُنٌُّها عَلَيَّ استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها عليَّ منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام. ووحد الضمير فى «تمنّها» و «عبّدت» ، وجمعها في «منكم» و «خفتكم» لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملائه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده.
(1) انظر البحر المحيط (7/ 10) .
وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلاً وتعامياً، طلباً للرئاسة، كما قال تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ، أي: أيُّ شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله، منكراً لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعْربُ عنه قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «1» ، وقوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي «2» . أو: فما صفته، أو حقيقته؟ قالَ موسى: هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا أي: ما بين الجنسين، إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئاً من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه.
قالَ فرعونُ، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفاً من تأثيره في قلوبهم، لِمَنْ حَوْلَهُ من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: أَلا تَسْتَمِعُونَ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ماهية الربوبية لا تُدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية.
ثم قالَ عليه السلام: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: وَرَبُّ آبائِكُمُ لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم.
قالَ فرعونُ: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ حيث يزعم أن في الوجود ألهاً غيري، أو:
حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، قالَ موسى عليه السلام: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولاً بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأنّ أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصّص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستوٍ، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلاً فأجابه، بالخاصية، قال أَلا تَسْتَمِعُونَ؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجنّنه فرعون، زاعماً أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثاً مبيناً أن الواجب الوجود، الفردَ الصمد، لا يدرك بالكُنْهِ، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
(1) من الآية 24 من سورة النازعات.
(2)
من الآية 38 من سورة القصص.