الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عرشه ونظر إلى خلقه: عبادي أنتم خلقي وأنا ربكم، أرزاقكم بيدي، فلا تتعبوا فيما تكفلتُ لكم به، فاطلبوا مني أرزاقكم، وإليّ فارفعوا حوائجكم، انصُبُوا إليَّ أنفسَكم أصُبُّ عليكم أرزاقكم. أتدرون ما قال ربكم؟ قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك، وأوسع أُوسع عليك، ولا تضيق فأضيق عليك، ولا تَصُرّ فأصر عليك، ولا تخزُنُ فأخزنُ عليك، إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سموات، متواصل إلى العرش، لا يغلق ليلاً ولا نهاراً، ينزل الله منه الرزق، على كل امرئ بقدر نيته، وعطيته، وصدقته، ونفقته، مَنْ أكثر أكثر عليه، ومَنْ أقل أقل عليه، ومَنْ أمسك أمسك عليه. يا زبير فكُل وأَطعم، ولا تُوك فيُوك عليك «1» ، ولا تحْصِ فيُحصَ عليك، ولا تقترّ فيقترْ عليك، ولا تعسر فيعسرْ عليك. يا زبير، إن الله يحب الإنفاق، ويبعض الإقتار، وإن السخاء من اليقين، والبخل من الشك، فلا يدخل النار مَن أيقن، ولا يدخل الجنة مَن شك. يا زبير إن الله يُحب السخاوة، ولو بفلق تمرة، والشجاعة، ولو بقتل عقرب أو حية. يا زبير إن الله يُحب الصبر عند زلزلة الزلازل، واليقين النافذ عند مجيء الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات. والورع الصادق عند الحرام والخبيثات. يا زبير عظِّم الإخوان، وأجلّ الأبرار، ووقر الأخيار، وصل الجار، ولا تماشِ الفجار، تدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، هذه وصية الله إليّ، ووصيتي إليك» .
ثم ذكر توبيخه على الشرك، فقال:
[سورة سبإ (34) : الآيات 40 الى 42]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42)
يقول الحق جل جلاله: وَاذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ «2» جَمِيعاً، العابدين والمعبودين، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ هو خطاب للملائكة، وتقريع للكفرة، وارد على المثل السائر من قول العامة: الخطاب للسارية وافهمي يا جارية. ونحوه قوله:.. أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي.. الآية «3» . وتخصيص
(1) أي: لا تدخر وتشد ما عندك، وتمنع ما فى يديك، فتنقطع مادة الرزق عنك. والوكاء: الخيط الذي تشد به الصرّة والكيس وغيرهما. انظر النهاية فى غريب الحديث (وكاء، 5/ 222- 223) .
(2)
قرأ حفص، ويعقوب:«يحشرهم» بالياء، وقرأ الباقون «نحشرهم» و «نقول» بالنون. وقد أثبت المفسر قراءة النون. انظر إتحاف فضلاء البشر (2/ 388) .
(3)
من الآية 116 من سورة المائدة.
الملائكة لأنهم أشرف شركائهم، والصالحون للخطاب منهم. قالُوا سُبْحانَكَ تنزيهاً لك أن يعبد معك غيرك. أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أنت الذي نُواليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم. والموالاة خلاف المعاداة، وهي مفاعلة من الولْي، وهو القرب. والوليّ يقع على المُوالِي والمُوالَى جميعاً. فبينوا بإثبات موالاةِ الله تعالى ومعاداة الكفار: براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم فإنَّ مَن كان على هذه الصفة، كانت حالُه منافية لذلك.
ثم قالوا: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي: الشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، أو: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام، إذا عُبِدَت، فيُعْبَدون بعبادتها، أو: صَوَّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن، وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ أي: أكثر الإنس، أو: الكفار، بِهِمْ بالجن مُؤْمِنُونَ مصدقون لهم فيما يأمرونهم به. والأكثر هنا بمعنى الكل.
قال تعالى: فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا لأن الأمر في ذلك اليوم إليه وحده، لا يملك أحد فيه منفعة ولا مضرة لأحد لأن الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقبُ هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا، التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلَّى بينهم، يتضارون، ويتنافعون، وأما يوم القيامة فلا فعل لأحد قط.
ثم ذكر معاقبة الظالمين بقوله: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بوضع العبادة في غير موضعها: ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ في الدنيا.
الإشارة: ما أحببتَ شيئاً إلا وكنتَ له عبداً، ولا يُحب أن تكون لغيره عبداً، فإذا تحققت الحقائق، التحق كل عابد بمعبوده، وكل حبيب بمحبوبه، فيرتفع الحق بأهله، ويهوي الباطلُ بأهله. وكل ما سوى الله باطل، فارفع همتك أيها العبد عن هذه الدار وما فيها، وتعلق بالباقي، دون الفاني، ولا تتعلق بشيء سوى المتكبر المتعالي.
قال القشيري: قوله تعالى: فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ.. الخ، الإشارة في هذا: أنَّ مَن علّقَ قلبه بالأغيار، وظنّ صلاحَ حاله في الاختيار، والاستعانة بالأمثال والأشكال، نزع اللهُ الرحمة من قلوبهم، وتركهم، وتشوش أحوالهم، فلا لهم من الأشكال والأمثال معونة، ولا لهم في عقولهم استبصار، ولا إلى الله رجوع، فإن رجعوا لا يرحمهم ولا يحبهم، ويقول: ذوقوا وبالَ ما به استوجبتم هذه العقوبة. هـ. قلت: قوله: «فإن رجعوا لا يرحمهم» يعني أنهم فزعوا أولاً إلى المخلوق، فلما لم ينجح مسعاهم، رجعوا إلى الله، فلم ينفعهم، ولو تابوا في المستقبل لقبل توبتهم.
وقال أيضاً: ومن تشديد العقوبة الافتضاح في السؤال. وفي بعض الأخبار: أن عبيداً يسألهم الحق غداً، فيقع عليهم من الخجل ما يقولون: يا ربنا لو عذبتنا بما شئت من ألوان العقوبة، ولا تعذبنا بهذا السؤال. هـ. وبالله التوفيق.