الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد، مع تعاضد موجبات الإيمان من جهته تعالى. وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما يتوهم أنهم معذرون فيه بحسب الظاهر لأن التفريق بين القدرة والحكمة، اللتين هما محل التحقيق والتشريع، قد خفي على مهرة العلماء، فضلاً عن غيرهم. فالحكم بزيادة «كان» أقرب كأنه قيل: إِن في ذلك لآيةً باهرة موجبة للإيمان، وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك لغاية عتوهم وعنادهم. ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من سبق له أنه يؤمن.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من هؤلاء، الرَّحِيمُ المبالغ في الرحمة، ولذلك يمهلهم، ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترءوا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات. وفي التعرض لوصف الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره- عليه الصلاة والسلام، من تشريفه والعِدَة الحقيّة «1» بالانتقام من الكفرة ما لا يخفى. قاله أبو السعود.
الإشارة: أوَ لم يروا إلى أرض النفوس الطيبة، كم أنبتنا فيها من كل صنف من أصناف العلوم الغريبة، والحِكَم العجيبة، بعد أن كانت ميتة بالجهل والغفلة، إنَّ في ذلك لآيةً ظاهرة على وجود الخصوصية فيها، وعلى كمال من عالجها حتى ظهرت عليها. أو: أولم يروا إلى أرض العبودية، كم أنبتنا فيها من أصناف الآداب المرضية، والمقامات اليقينية، والمكاشفات الوهبية، إِن في ذلك لآيةً، وما كان أكثرهم مؤمنين بهذه الخصوصية عند أربابها، وإن ربك لهو العزيز الرحيم، يُعز من يشاء، ويرحم بها من يشاء. وبالله التوفيق.
ثم شرع فى قصص الأنبياء تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، وبدأ بموسى عليه السلام لشدة معالجته لقومه، فقال:
[سورة الشعراء (26) : الآيات 10 الى 17]
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)
قالَ كَلَاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (17)
يقول الحق جل جلاله: وَاذكر يا محمد إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أي: وقت ندائه إياه، وذَكِّر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجراً لهم، وتحذيراً من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين.
(1) فى تفسير أبى السعود: «الخفية» .
أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه، حيث أرسله وقال له: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أو: بأن ائْتِ القومَ الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. قَوْمَ فِرْعَوْنَ: عطف بيان، تسجيل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: أَلا يَتَّقُونَ الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأنَّ ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ.. «1» إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام.
قالَ موسى عليه السلام متضرعاً إلى الله عز وجل: رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ من أول الأمر، وَيَضِيقُ صَدْرِي بتكذيبهم إياي، وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبياً معي، أَتَقَوَّى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بُعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يُعينه على الامتثال، وتمهيد عذره.
ثم قال: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي: تبعة ذنب بقتل القبطيّ، فحذف المضاف، أو: سمّي تبعة الذنب ذنباً، كما يُسَمَّى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنباً بحسب زعمهم. فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ به قصاصاً. وليس هذا تعللا أيضاً، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معاً بقوله:
قالَ كَلَّا فَاذْهَبا لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: فَاذْهَبا، أي: جعلتُه رسولاً معك فَاذْهَبا بِآياتِنا أي: مع آياتنا، وهى اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: فَاذْهَبا: عطف على مضمر، يُنبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوباً بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه.
إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ أي: سامعون ما يقال لك، وما يجرى بينكما وبينه، فنظهر كما عليه. شبَّه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «2» .
ْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا:
الوصولُ إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يُثَنَّ الرسول هنا كما ثناه في سورة طه «3» لأن الرسول
(1) الآية 12 من سورة طه.
(2)
الآية 46 من سورة طه.
(3)
فى قوله: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ، الآية 47.