الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. وَنَصَرْناهُمْ أي: موسى وهارون وقومهما، فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ على فرعون وقومه. وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ البليغ في بيانه، وهو التوراة، وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يُوصل إلى الحق، وَتَرَكْنا عَلَيْهِما الثناء الحسن فِي الْآخِرِينَ الآيتين بعدهما، سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الكاملين في الإيمان.
الإشارة: منّ عليهما أولاً بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم مَنَّ عليهم بالفرج والنصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر إلياس، فقال:
[سورة الصافات (37) : الآيات 123 الى 132]
وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127)
إِلَاّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (130) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)
يقول الحق جل جلاله: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لَمَّا قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس «1» ، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لمَّا فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوّأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحلّ سبطاً منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود- رضى الله عنه-: «وإن إدريس» موضع إلياس. والمشهور ما تقدم.
(1) أخرجه الطبري (23/ 92) عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه.
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ألا تخافون الله، أَتَدْعُونَ بَعْلًا، هو عَلَم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعاً، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظّموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه.
وكان الشيطان يُوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يُسمى «بك» فركب معه وصار «بعلبكّ» ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم «1» ، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وُكِّلَ بالفيافي، والخضر وُكِّلَ بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وأليس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيًّا ملكيًّا، أرضيًّا سماويًا. فهو مازال حيًّا. فالله أعلم.
ثم قال: وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ أي: تعبدون صنماً جامداً، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين.
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ «2» . من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. فَكَذَّبُوهُ فسلّط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوًّا، فقتل ملكهم وكثيراً منهم، فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، وَتَرَكْنا عَلَيْهِ الثناء الحسن فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ «3» ، وهو إلياس وأهله لأن «ياسين» اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخُبَيْبون والمهَلَّبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلَّب وأتباعه. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه.
الإشارة: يُؤخذ من قوله تعالى: أَلا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا.. الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبُعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: سلام على آل ياسين في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عَظُمَ صلاحه تعدّت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع فى الوجود بأسره.
(1) عزاه فى الدر المنثور (5/ 537) لابن عساكر، عن ابن شوذب، والحسن.
(2)
قرأ حفص، وحمزة، والكسائي بنصب الأسماء الثلاثة، وقرأ الباقون بالرفع. انظر الحجة للفارسى (6/ 63) .
(3)
قرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب:(آل ياسين) بفتح الهمزة، مشبعة، وكسر اللام، مفصولة عما بعدها، والمراد: ولد ياسين وأصحابه، قرأ الباقون «على إلياسين، بكسر الهمزة، وسكون اللام، موصولة بما بعدها، كلمة واحدة، جمع «إلياس» . انظر الإتحاف (2/ 416) .