الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
له حاجة إلى التوبة. وظاهر الآية: أن العصيان لا ينافي الإيمان، فبادروا بالتوبة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تفوزون بسعادة الدارين. وبالله التوفيق.
الإشارة: التوبة أساس الطريق، ومنها السير إلى عين التحقيق، فَمَنْ لَا تَوْبَةَ له لا سَيْر له، كمن يبني على غير أساس. والتوبة يَحْتَاجُ إليها المبتدئ والمتوسط والمنتهى، فتوبة المبتدئ من المعاصي والذنوب، وتوبة السائر:
من الغفلة ولوث العيوب، وتوبة المنتهي: من النظر إلى سوى علام الغيوب.
قال ابن جزي: التوبة واجبة على كل مكلف، بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وفرائضها ثلاثة: الندم على الذنب من حيث عُصِيَ به ذو الجلال، لا من حيث أضر ببدن أو مال. والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان، من غير تأخير ولا توان، والعزم ألا يعود إليها أبداً. ومهما قضى الله عليه بالعود، أحدث عَزْماً مُجَدَّداً.
وآدابها ثلاث: الاعتراف بالذنب، مقروناً بالانكسار، والإكثار من التضرع والاستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من الأوزار. ومراتبها سبع: فتوبة الكفار من الكفر، وتوبة المُخَلِّطِينَ من الذنوب الكبائر، وتوبة العدول من الصغائر، وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من عِلَلِ القلوب والآفات، وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المشاهدة من الغفلات. والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء الثواب، والخجل من الحساب، ومحبة الحبيب، ومراقبة الرقيب، وتعظيم المقام، وشكر الإنعام. هـ.
ثم أمر بالنكاح لأنه أغض للبصر، فقال:
[سورة النور (24) : آية 32]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (32)
قلت: الأيامى: جَمْعُ أَيِّمٍ، وأصله: أيايم، فقلبت الياء لآخر الكلمة، ثم قبلت ألفاً، فصارت أيامى. والأيم: من لا زوج له من الرجال والنساء.
يقول الحق جل جلاله: وَأَنْكِحُوا أي: زَوِّجُوا الْأَيامى مِنْكُمْ أي: مَنْ لا زوج له من الرجال والنساء، بِكراً كان أو ثيباً. والمعنى: زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر. والخطاب للأولياء والحكام، أمرهم بتزويج الأيامى، فاقتضى ذلك النهي عن عضلهن. وفي الآية دليل عدم استقلال المرأة بالنكاح، واشتراط الولي فيه، وهو مذهب مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة.
وَالصَّالِحِينَ أي: الخيّرين، أو: مَنْ يصلح للتزوج، مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ أي: من غلمانكم وجواريكم، والأمر: للندب إذ النكاح مندوب إليه، والمخاطبون: ساداتهم. ومذهب الشافعي: أن السيد يُجبَر على تزويج عبيده، لهذه الآية، خلافاً لمالك، ومذهب مالك: أن السيد يَجْبُر عبدَه على النكاح، خلافاً للشافعي. واعتبار الصلاح في الأَرِقَّاءِ لأن مَنْ لَا صَلَاحَ له بمعزلٍ من أن يكون خليقاً بأن يَعْتَنِيَ مولاه بشأنه، وأيضاً: فالتزويج يحفظ عليه صَلَاحَهُ الحاصل، وأما عدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر لأن الغالب فيهم الصلاح، على أنهم مستبدون بالتصرف في أنفسهم وأموالهم، فإذا عزموا النكاح فلا بد من مساعدة الأولياء لهم.
وقيل: المراد بالصلاح: صلاحهم للتزوج، والقيام بحقوقهم، فإن ضَعُفُوا لم يُزَوَّجُوا. ونفقة العبد على سيده إن زَوَّجَه، أو أَذن له، وإلا خُيِّر فيه.
ثم قال تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ من المال يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بالكفاية والقناعة، أو باجتماع الرزقين. وفي الحديث:«التمسوا الرزق بالنكاح» «1» ، وقال ابن عجلان: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الحاجة، فقال:«عليك بالباءة» ، أي: التزوج. وكذلك قال أبو بكر وعمر وعثمان لمن شكى إليهم العَيْلَةَ، متمسكين بقوله تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، فبسط الرزقَ لمن يشاءُ ويقدرُ، حسبما تقتضيه المشيئة والحكمة والمصلحة. فالغِنَى، للمتزوج، مقيد بالمشيئة، فلا يلزم الخلف بوجود من لم يستغن مع التزوج، وقيل: مقيد بحسن القصد، وهو مغيب. والله تعالى أعلم.
الترغيب فى النكاح: قال صلى الله عليه وسلم: «تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط» «2» . وقال صلى الله عليه وسلم: «من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وهي النكاح، فإن الرجل يُرفعُ بدعاء ولده من بعده» «3» ، وقال سمرة رضي الله عنه:(نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل) . وقال- عليه الصلاة والسلام: «من كان له ما يتزوج به، فلم يتزوج، فليس منا» «4» وقال عليه الصلاة والسلام: «من أدرك له ولد، وعنده ما يزوجه به، فلم يزوجه، فأحدث، فالإثم بينهما» . وقال
(1) أخرجه الديلمي (الفردوس ح 282) من حديث ابن عباس، وعزاه المناوى فى الفتح السماوي (2/ 87) للثعلبى، بسند فيه لين.
وانظر كشف الخفاء (1/ 177) .
(2)
أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (6/ 173) عن سعيد بن أبى هلال، مرسلا، وانظر كشف الخفاء (1/ 380) .
(3)
أخرجه- دون العبارة الأخيرة- البيهقي فى الكبرى (7/ 78) وعبد الرزاق فى المصنف (6/ 169) وسعيد بن منصور فى السنن (1/ 138) عن عبيد بن سعد.
(4)
أخرجه البيهقي فى الشعب (5481- 5482)، عن أبى نجيح مرسلا. بلفظ:«من كان موسرا لأن ينكح، ثم لم ينكح، فليس منى» .