الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: «مختلفاً» : نعت «ثمرات» . و «مختلف ألوانه» : صفة لمحذوف، أي: صنف مختلف.
يقول الحق جل جلاله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مآء فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها أي: أجناسها، كالرمان، والتفاح، والتين، والعنب، وغيرها مما لا يُحصى، أو: ألوانها: هيئاتها من الحُمرة والصفرة ونحوهما. وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ طُرق مختلفة اللون. جمع: جُدَّة، كمُدَّةٍ ومُدَدٍ. والجُدة: الطريقة والخطة، تكون في الجبل، تخالف لون ما يليها. وكل طريقة من سواد أو بياض فهي جُدة. قاله الهروي. وهي مبتدأ وخبر، أي: وطرق بِيضٌ وَحُمْرٌ كائنة من الجبال.
وَغَرابِيبُ سُودٌ أي: ومنها غرابيب سود، أي: ومن الطرق سود غرابيب جمع: غربيب، وهي الذي أبعد في السواد وأغرب، ومنه: الغراب. قال الهروي: هي الجواد ذوات الصخور السود، والغربيب: شديدة السواد. هـ.
وفي الصحاح: تقول هذا أَسود غربيب، أي: شديد السواد، وإذا قلت: غرابيب سود تجعل السود بدلاً من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم. هـ. تقول: أصفر فاقع، وأسود حالك، ولا يتقدم الوصف، ونقل الكواشي عن أبي عبيد:
أن في الآية تقديماً وتأخيراً، تقديره: وسود غرابيب. وفائدته: أن يكون المؤكد مضمراً، والمظهر تفسيراً له، فيدل على الاعتناء به، لكونهما معاً يدلان على معنىً واحد هـ. ولا بد من تقدير حذف مضاف في قوله: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ أي: من الجبال ذو جدد بيض، وحمر، وسود غرابيب حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه، كما قال: ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها.
[سورة فاطر (35) : آية 28]
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ، أي: ومنهم صنفٌ مختلف ألوانه بالحمرة والصفرة والبياض والسواد. كَذلِكَ أي: كاختلاف الثمرات والجبال. قال القشيري: تخصيص الفعل بهيئته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه. فإتقان الفعل وإحكامه شواهد الصنع وإعلامه. وكذلك أيضاً الناس والدواب والأنعام، بل جميع المخلوقات، متجانس الأعيان، مختلف الصفات، وهو دليل ثبوت منشئها بنعت الجلال هـ.
الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية، فأخرجنا به ثمرات، وهي العلوم والأذواق والوجدان، مختلف ألوانها، فمنها علوم الشرائع، وتحقيق مسائلها، ومنها علم العقائد، وتشييد أدلتها وبراهينها، ومنها علوم اللسان بإتقان قواعدها، ومنها علم القلوب وتصفيتها من العيوب، وهو علم الطريقة، ومنها علم الأسرار، وهي أسرار الذات والصفات، وهو علم الحقيقة. ومن جبال العقل طُرق بيض، وحمر، وسود، فالبيض: طرق الكشف والبيان، وحلاوة الذوق والوجدان، والحُمر: طُرق الدليل والبرهان لأنها قد تظهر وتخفى، والسود الغرابيب: عقول
الفلاسفة والطبائعيين، أهل الحدس والتخمين، إذا لم يقتدوا بالكتاب المبين، وشرعِ النبي الأمين. أولئك هم الضالون المضلُّون.
ولمّا كان النظر في هذه المصنوعات إنما يكون بالعلم، ذكر أهله، فقال:
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ
…
يقول الحق جل جلاله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ أي: يخافه مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ لأنهم هم الذين يتفكرون في عجائب مصنوعاته، ودلائل قدرته، فيعرفون عظمته وكبرياءه، وجلاله وجماله، ويتفكرون فيما أعد الله لمَن عصاه من العذاب ومناقشة الحساب، وفيما أعد لمَن خافه وأطاعه من الثواب، وحسن المآب، فيزدادون خشية، ورهبة، ومحبة، ورغبة في طاعته، وموجب رضوانه، دون مَن عداهم من الجهّال. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
«أعلمكم بالله أشدكم له خشية» «1» وقال صلى الله عليه وسلم: «رأس الحكمة مخافة الله» «2» .
وقال الربيع بن أنس: مَن لم يَخشَ الله فليس بعالم، وقال ابن عباس في تفسير الآية: كفى بالزهد عِلماً، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله عِلماً، وبالاعتذار جهلاً. وفي الحِكَم:«خيرُ علم ما كانت الخشية معه» . وقال في التنوير: اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسُنَّة فإنما المراد به العلم النافع، الذي تٌقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة. قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ. بيّن سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية. هـ.
وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: واعلم أن العلم النافع، المتفق عليه فيما سلف وخلف، إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية، وملازمة التواضع والذلة، والتخلُّق بأخلاق الإيمان، إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها، وإيثار الآخرة عليها، ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العلية، والمناحى السنية. هـ.
(1) قال الحافظ ابن حجر: لم أجده هكذا، وفى الصحيح:«أنا أعلمكم بالله وأشدُّكم له خشيةً» . حاشية الكشاف (3/ 611) .
(2)
أخرجه البيهقي فى الشعب (1/ 471/ ح 743، 744) عن ابن مسعود، موقوفا ومرفوعا. قال العراقي فى المغني: رواه أبو بكر بن لال الفقيه فى مكارم الأخلاق، والبيهقي فى الشعب، وضعّفه من حديث ابن مسعود، ورواه فى دلائل النبوة، من حديث عقبة بن عامر، ولا يصح أيضا.
وقال في لطائف المنن: شاهد العلم، الذي هو مطلب الله تعالى: الخشية، وشاهد الخشية: موافقة الأمر، فأما علم تكون معه الرغبة في الدنيا، والتملُّق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها، والجمع، والادخار، والمباهاة، والاستكثار، وطول الأمل، ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا نعته مِنْ أن يكون من ورثة الأنبياء! وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه. ومثل مَنْ هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كالشمعة، تُضيء على غيرها، وهي تحرق نفسها. جعل الله العلم- الذي علمه من هذا وصفه- حجة عليه، وسبباً في تكثير العقوبة لديه. هـ.
وتقديم اسم الله تعالى، وتأخير العلماء، يُؤذِن أن معناه: إن الذين يخشون الله من عباده العلماء دون غيرهم.
ولو عكس، بأن قال: إنما يخشى العلماءُ الله، لكان المعنى: أنهم لا يخشون إلا الله.
وقرأ أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز: بنصب «العلماء» ورفع «الله» . والخشية في هذه القراءة بمعنى التعظيم.
والمعنى: إنما يعظم الله من عباده العلماء. وعنه صلى الله عليه وسلم: «يقول الله للعلماء يوم القيامة- إِذا قَعَدَ على كُرسيِّه، يفصل قضاء عباده: إني لم أجعلْ عِلْمي وحِلْمي فِيكُمْ إلا وأنا أُريدُ أن أغفرَ لكم، على ما كان فيكم، ولا أبالي» «1» ، قال المنذري: انظر إلى قوله: «علمي وحلمي» يتضح لك بإضافته إليه أنه لم يرد به علم أكثر أهل الزمان المجرّد عن العمل به والإخلاص. وفي رواية: «لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أُريده بكم، ادخلوا الجنة بما فيكم» . وقال- عليه الصلاة والسلام: «يُوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء، فيرجع مداد العلماء على دماء الشهداء» «2» .
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، هو تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة لعزته وغلبته، وإثابة أهل الطاعة، والعفو عنهم لعظيم غفرانه، والمعاقب والمثيب حقه أن يُخشى.
الإشارة: العلماء على قسمين علماء بأحكام الله، وعلماء بالله، العلماء بالأحكام يخشون غضبه وعقابه، والعلماء بالله يخشون إبعاده واحتجابه، العلماء بالأحكام يتقون مواطن الآثام، والعلماء بالله يتقون سوء الأدب في حضرة الملك العلاّم. فخشية العلماء بالله أرق وأشد. العلماء بالله أخذوا علمهم من الله، والعلماء بالأحكام أخذوا علمهم عن الأموات. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: في علماء أهل الرواية: مساكين أخذوا علمهم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. هـ.
(1) أخرجه للطبرانى فى الكبير (1381) من حديث ثعلبة بن الحكم الصحابي. قال الهيثمي فى مجمع الزوائد (1/ 126) : ورجاله موثقون.
(2)
عزاه السيوطي فى الجامع الصغير (ح/ 10026) للمرهبى، عن عمران بن حصين، وابن عبد البر، فى العلم، عن أبى الدرداء، وابن الجوزي فى العلل، عن النعمان بن بشير، وضعّفه.
والفرق بين الخوف والرهبة والخشية: أن الخوف من العقاب، والرهبة من العتاب، والخشية من الإبعاد. قال القشيري: والفرق بين الخشية والرهبة: أنَّ الرهبة: خوفٌ يُوجِبُ هَرَبَ صاحبه، فيجري في تفرقته. والخشية إذا حصلت كَبَحَت صاحبها، فيبقى مع الله. فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة، والخوف قضية الإيمان، قال تعالى: وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «1» . والخشية قضية العلم والهيبة. هـ. ثم قال: العالم يخاف تقصيره في حقِّ ربه، والعارف يخشى من سوء أدبه وترْك احترامٍ، وانبساط في غير وقت، بإطلاق لَفْظٍ، أو تَرخِيص بِترْكِ الأَوْلى. هـ.
قال الورتجبي: الخوف عموم، والخشية خصوص. وقد قرن سبحانه الخشية بالعلم، أي: العلم بالله وجلاله وقدره وربوبيته وعبوديته له. وحقيقة الخشية: وقوع إجلال الحق في قلوب العارفين، ممزوجاً بسنا التعظيم، ورؤية الكبرياء والعظمة، ولا يحصل ذلك إلا لمَن شاهد القدم، والأزل، والبقاء، والأبد، فمَن زاد علمه بالله زاد خشية، لقوله صلى الله عليه وسلم:«أنا أعرفكم بالله وأخشاكم منه» . هـ. وفي الحديث: قيل يا رسول الله: أيُّ الأَعْمَال أَفْضَلُ؟ قال: «العلم» قيل: أيُّ العلم؟ قال: «العلم بالله سبحانه» «2» . وقال صلى الله عليه وسلم: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعُه؟ والله إني لأعلمُكم بالله، وأشدُّكم له خشيةً» «3» .
ثم قال «4» : عن جعفر الصادق: العلم أمْرُ تركِ الحرمة في العبادات، وترك الحرمة في الحياء من الحق، وترك الحرمة في متابعة الرسول، وترك الحرمة في خدمة الأولياء الصدّيقين. هـ. ومعى كلامه: أن العلم الحقيقي هو الذي يأمن صاحِبُه من انتهاك حرمة العبادات، ومِن هتْك حرمة الاحتشام من الله ورسوله وأوليائه. ومَن أراد من العلماء السلامة من الاغترار بالعلم فليطالع شرح ابن عباد، في قول الحِكَم:«العلم إن قارنته الخشية فلك، وإلا، فعليك» . وبالله التوفيق.
(1) من الآية 175 من سورة آل عمران.
(2)
ذكره ابن عراق فى تنزيه الشريعة (كتاب العلم، 1/ 278، القسم الثالث) وعزاه لابن حبان، والديلمي عن أنس، عن طريق عباد ابن عبد الصمد. قال فى تنزيه الشريعة (1/ 70) :«عباد بن عبد الصمد عن أنس، بنسخة، أكثرها موضوع. قاله ابن حبان» .
قلت: معني الحديث صحيح.
(3)
أخرجه البخاري فى (الاعتصام، باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو فى الدين والبدع، ح 7301) ، ومسلم فى (الفضائل، باب علمه صلى الله عليه وسلم بالله وشدة خشيته، 4/ 1829، ح 2356) من حديث السيدة عائشة بلفظ: «
…
لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية» . [.....]
(4)
أي: الورتجبي.