الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَذلِكَ، أي: مثل هذا التفصيل البديع، نُفَصِّلُ الْآياتِ نبينها لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يتدبرون في ضرب الأمثال، ويعرفون حكمها وأسرارها، فلما لم ينزجروا أضرب عنهم، فقال: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالشرك أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أي: تبعوا أهواءهم، جاهلين، ولو كان لهم عِلْمٌ لَرُجِيَ أن يزجرهم، فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟ اي: لا هادي له قط، وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يمنعونهم من العذاب، أو: يَحْفُظونهم من الضلالة، أو: من الإقامة فيها.
الإشارة: ما قيل في الشرك الجلي يجري مثله في الشرك الخفي فأن الحق تعالى غيور، لا يُحب العمل المشترك، ولا القلب المشترك. العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يُقبل عليه، وأنْشَدُوا «1» :
لِي محْبوبٌ إنما هُوَ غَيُور يُطلُّ في القَلبِ كَطَيرٍ حَذُور ذَا رَأَى شَيئًا امتَنَع أَنْ يَزُورْ فكما أنك لا ترضى من عبدك أن يُحب غيرك، ويخضع له، كذلك الحق تعالى لا يرضى منكُ أن تميل لغيره. قال القشيري: قوله: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ: أشدُّ الظلم متابعةُ الهوى لأنه قريب من الشِّرْكِ.
قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ «2» ، ومن اتَّبع هواه خالف رضا مولاه، فهو، بوضع الشيء في غير موضعه، صار ظالماً، كما أن العاصي، بوضع المعصية في موضع الطاعة، صار ظالماً، كذلك بمتابعة هواه، بَدَلاً عن موافقة ومتابعة رضا مولاه، صار في الظلم متماديا. هـ.
ثم أمر بالتوحيد الخالص، المقصود من ضرب المثل، فقال:
[سورة الروم (30) : الآيات 30 الى 32]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)
(1) وهو الششترى، كما ذكر الشيخ المفسر فى إيقاظ الهمم/ 437.
(2)
من الآية 23 من سورة الجاثية.
قلت: (حنيفاً) : حال من (الدين)، أو: من الأمور، وهو ضمير (أقم)، و (فطرة) : منصوب على الإغراء.
يقول الحق جل جلاله، لنبيه صلى الله عليه وسلم، أو: لكل سامع: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي: قوّم وجهك له، غَيْرَ مُلْتَفِتٍ عنه يميناً ولا شمالاً. وهو تمثيلٌ لإقباله على الدين بكُلِّيته، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه فإنَّ من اهتم بالشيء توجه إليه بوجهه، وسدّد إليه نظره، حَنِيفاً أي: مائلاً عن كل ما سواه من الأديان، فِطْرَتَ اللَّهِ أي: الزموا فطرة الله. والفطرة: الخلقة: أَلَا ترى إلى قوله: لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ؟ فالأرواح، حين تركيبها في الأشباح، كانت قابلة للتوحيد، مُهَيَّأَةً له، بل عالمة به بدليل إقرارها به في عالم الذر، حتى لو تُركوا لَما اخْتَارُوا عليه ديناً آخر، ومَن غوى فإنما غوى منهم بإغواء شياطين الإنس والجن. وفي حديث قدسي:«كُلٌّ عِبَادي خَلَقْتُ حنيفاً، فاجتالتَهُمْ الشّيَاطِينُ عنْ دِينهمْ، وأمَرُوهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بي غيري» «1» ، وفي الصحيح:«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَد على الفطرة، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصّرَانِهِ أوْ يُمجِّسَانِهِ» «2» قال الزجّاج: معناه: أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به، على ما جاء في الحديث:«إن الله عز وجل أخرج من صلب آدم ذريته كالذرّ، وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم، فقالوا: بلى» «3» ، وكل مولود فهو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى رَبُّهَا وخالقها. هـ. قال ابن عطية: الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة: أنها الخِلقة والهيئة في نفس الطفل، التي هي مهيئة لمعرفة الله والإيمان به، الذي على الإعداد له فطرَ البشر، لكن تعرض لهم العوارض على حسب ما جرى به القدر، ولا يلزم من الإعداد وجعله على حالة قابلة للتوحيد ألا يساعده القدر، كما في قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «4» ، أي: خلقهم معَدين لذلك، فأمر من ساعده القدر، وصرف عن ذلك من لم يُوفق لما خلق له. هـ.
فقوله في الحديث: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَد عَلَى الفِطْرَةِ» أي: على القابلية والصلاحية للتوحيد، ثم منهم من يتمحض لذلك، كما سبق في القدر، ومنهم من لم يوفق لذلك، بل يخذل ويُصرف عنه لما سبق عليه من الشقاء.
وقال في المشارق: أي: يخلق سالماً من الكفر، متهيئاً لقبول الصلاح والهدى، ثم أبواه يحملانه، بَعْدُ، على ما سَبق له في الكتاب. هـ. قال ابن عطية: وذِكْرُ الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. ثم قال: وقد فطر الله
(1) أخرجه بنحوه، مطولا، مسلم فى (الجنة وصفه نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها، فى الدنيا، أهلِ الجنَةِ وأهل النَّارِ 4/ 2197، ح 2865) من حديث عياض المجاشعي. ولفظه: «إنى خلقت عبادى حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. الحديث.
(2)
أخرجه البخاري فى (القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين ح 6599) ، ومسلم فى (القدر، باب معنى كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَد على الفطرة، 4/ 2047، ح 2658) بزيادة فى آخره، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه.
(3)
أخرجه أحمد فى المسند (1/ 272) وقال فى مجمع الزوائد (7/ 25) : رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(4)
الآية 56 من سورة الذاريات.
الخلق على الاعتراف بربوبيته، ومن لازم ذلك توحيده، وإن لم يُوَفِّقُوا لذلك كُلُّهم، بل وَحِّدَه بعضُهم، وأشرك بعضهم، مع اتفاق الكل على ربوبيته ضَرُورَة أن الكلَّ يشعر بقاهر له مدبر. قال في الحاشية: والحاصل: أنه تعالى فطر الكل في ابتداء النشأة، على الاعتراف بربوبيته، ولكن كتب منهم السعداء موحدين، وكتب الأشقياء مشركين، مع اعتراف الجميع بربوبيته، ولم يوفق الأشقياء لكون الربوبية تستلزم الوحدانية، فأشركوا، فناقضوا لازم قولهم. هـ.
وهذا معنى قوله تعالى: الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، أي: خلقهم في أصل نشأتهم عليها، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تُغير. وقال الزجاج: معناه: لا تبديل لدين الله، ويدل عليه قوله: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: المستقيم، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ حقيقة ذلك. حال كونكم.
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ أي: راجعين إليه، فهو حال من ضمير: الزموا. وقوله: وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ: عطف على الزموا. أو: على (فأقم) لأن الأمر له- عليه الصلاة والسلام أمرٌ لأمته، فكأنه قال: فأقيموا وجوهكم، منيبين إليه، وَاتَّقُوهُ أي: خافوا عقوبته، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي: أَتْقِنُوهَا وأدّوها في وقتها، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ممن يشرك به غيره في العبادة.
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ: بدل من «المشركين» بإعادة الجار، أي: لا تكونوا من الذين جعلوا دينهم أدياناً مختلفة باختلاف ما يعبدونه لاختلاف أهوائهم. وقرأ الأَخَوَان: (فارقوا) أي: تركوا دين الإسلام الذي أُمروا به، وَكانُوا شِيَعاً أي: فرقاً، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها، أي: تشيعه، وتقوي سواده، كُلُّ حِزْبٍ منهم بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ مسرورون، ظناً بأنه الحق، ثم يبدو لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لم يكونوا يحتسبون. والعياذ بالله.
الإشارة: الفطرة التي فَطَر الله الأرواحَ عليها هى معرفة العيان لأنها كلها كانت عارفة بالله لصفائها ولطافتها، فما عاقها عن تلك المعرفة إلا كَثَافَةُ الأبدان، والاشتغالُ بحظوظها وهواها، حتى نسيت تلك المعرفة. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه «1» :
وَلَمْ تَزَلْ كُلُّ نُفُوسٍ الأَحْيَا
…
لأمَةً درَّاكة للأشيَا
وَإِنَّمَا تَعُوقُها الأبدَان
…
وَالأَنْفُسُ النُّزَّعُ والشَّيطَان
فَكُلُّ مَنْ أذاقهم جهادَه
…
أظهرَ لِلْقَاعِدِ خَرقَ العادة
(1) انظر الفتوحات الإلهية فى شرح المباحث الأصلية ص 111.