الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واتبع سبيل من أناب إليَّ، هو شيخ التربية في علم الإشارة. وقد تقدم قول الجنيد: أمرني أبي بشيء، وأمرني السّري بشيء، فقدمت أمر السّري، فرأيت سراً كبيراً. وكان شيخ شيوخنا الولي الشهير، سيدي يوسف الفاسي، يأتيه شاب من أولاد كبراء فاس، وكان أبوه ينهاه ويزجره عن صحبته، وربما بلغ لمجلس الشيخ فيؤذيه، فكان الشيخ يقول للشاب: أطع أباك في كل شيء إلا في الإتيان إلينا. هـ. وكان بعض المشايخ يقول: ائتوني ولو بسخط الوالدين إذ لا يضره ذلك، حيث قصد إصلاح نفسه ودواءها.
وقال الشيخ السنوسي، في شرح عقائد الجزائري، ما نصه: وحاصل الأمر في النفس: أنها شبيهة، في حالها، بحال الكافر الحَرْبِيّ، الذي يريد أن تكون كلمة الكفر هي العليا، وكلمة التوحيد السفلى، وكذلك النفس تريد أن تكون كلمة باطلها من الدعاوى للحظوظ العاجلة، المُشْغِلة عن إخلاص العبودية لمولانا جل وعلا، وعن القيام بوظائف تكاليفه، على الوجه الذي أمر به، هي العليا، النافذ أمرها ونهيها في مُدُنِ الأجسام وما تعلق بها، بعد أن نزلت ساحة الأبدان، واتصلت اتصالاً عظيماً لا انفكاك له إلا بالموت، فوجب، لذلك، على كل مؤمن يُعظّم حرمات الله تعالى أن ينهض كل النهوض، بغاية قواه العِلمية والعملية، لجهادها وقتالها. وفي مثل هذا القتال الذي نزل العدو فيه بساحة الأبدان، وهو فرض عين على كل مؤمن، يسقط فيه استئذان الأبوين وغيرهما. هـ. فأنت ترى كيف جعل قيام النفس على العبد، وحجابها له عن ربه، كعدو يجب جهاده ولو خالف الوالدين، وهو كذلك إذ طاعة الوالدين لا تكون في ترك فرض، ولا في ارتكاب معصية، ومن جملة المعاصي، عند الخواص، رؤية النفس والوقوف معها، وفي ذلك يقول الشاعر:
فَقلتُ: ومَا ذنبي؟ فَقَالَتْ مُجِيبَةً
…
: وُجودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبُ
وتطهير النفس فرض عين، ولا طاعة للوالدين في فرض العين. وقوله تعالى:(وصاحبهما في الدنيا معروفاً) قال الورتجبي: المعروف، هاهنا، أن تُعرفهما مكان الخطأ والغلط في الدين عند جهالتهما بالله. وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ، نهاه عن متابعة المخلَّطِين، وحثه على متابعة المنيبين. هـ. وبالله التوفيق.
ثم قال لقمان فى وصيته:
[سورة لقمان (31) : الآيات 16 الى 19]
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَآ أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)
قلت: الضمير في (إنها) : للقصة، ومن قرأ «مثقال» : بالرفع ففاعِلُ كَانَ التامة، ومن قرأ بالنصب فخبرها، والضمير: للخطيئة أو الهيئة. وأنث «المثقال» لإضافته إلى الحبة.
يقول الحق جل جلاله: وقال لقمان لابنه، حين قال له: يا أبت: إن عَمِلْتُ بالخطيئة، حين لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال: يا بُنَيَّ إِنَّها، أي: القصة أو الخطيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ «1» حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي: إن تك المعصية في الصغر والحقارة، مثقال حبةٍ من خَرْدَلٍ، أو: إن تقع مثال حَبَّةٍ من المعاصي فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ، أي: فتكن، مع صغرها، في أخفى مكان، أو في جبل. وقال ابن عباس: هي صخرة تحت الأَرَضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. هـ. قال السدي: خلق الله تعالى الأرض على حوت، والحوت في الماء، والماء على ظهر صَفَاةٍ- أي: صخرة- والصفاة على ظهر ملَكَ، والملك على صَخْرَة.
وهي الصخرة التي ذكر لقمان. ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح «2» . هـ.
أي: إن تقع المعصية في أخفى مكان يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يوم القيامة فيحاسب عليها عاملها. إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ: يتوصل علمه إلى كل خفي، خَبِيرٌ: عالم بكنهه، أو: لطيف باستخراجها خبير بمستقرها.
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ: أتقنها، وحافظ عليها تكميلاً لنفسك، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ تكميلاً لغيرك، وَاصْبِرْ عَلى مَآ أَصابَكَ في ذات الله تعالى، إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر فإن من فعل ذلك تعرض للأذى، أو: على ما أصابك من الشدائد والمحن فإنها تورث المنح والمنن. إِنَّ ذلِكَ الذي وصيتك به، مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي: مما عزمه الله من الأمور، أي: قَطَعَه قطع إيجاب وإلزام، أي: أمر به أمراً حتماً. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها ومفروضاتها. وفيه دليل على أنَّ هذه الطاعات كانت مأموراً بها في سائر الأمم.
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ أي: تُمله عنهم، ولا تولهم صفَحة خدك، كما يفعله المتكبرون. والتصعير: داء يصيب العير، فيلوى عُنُقَهُ منه. والمعنى: أَقْبِل على الناس بوجهك تواضعاً، ولا تُولهم شق وجهك وصفحته تكبرا.
(1) قرأ نافع: «مثقال» بالرفع، على أن «تك» تامة. وقرأ الباقون: بالنصب على أن «تك» ناقصة، واسمها ضمير يفهم من سياق الكلام، وتقديره:«هى» . انظر: البحر المحيط (7/ 182) . [.....]
(2)
انظر: تفسير البغوي (6/ 288- 289)، والبحر المحيط (7/ 187) . قلت: كل هذه أقوال لا علاقة لها بالآية، ولا يصح تفسير الآية بها. وعلم الفلك الحديث، وعلم الفضاء، وجميع حقائقه القطعية تبرهن على أن الأرض جرم، وكوكب يسبح فى الفضاء، وليس على حوت ولا على صخرة. والذي نرجحه: أن هذه الأوهام غير صحيحة السند إلى هؤلاء السادة العلماء.
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً خُيَلَاءَ متبختراً، فهو مصدر في موضع الحال، أي: مَرِحاً، أو: تمرح مرحاً، أو: لأجل المرح، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ، علة النهي. والمختال هو المرِحُ الذي يمشي خيلاء، والفخور هو المُصَعِّرُ خَدَّهُ تكبراً. وتأخير الفخور، مع تقدمه لرؤوس الآي.
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ توسط فيه بين الدبيب والإسراع، فلا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثوب الشطارين، قال عليه الصلاة والسلام:«إنَّ سُرْعَةَ المَشي تُذْهِبُ ببهاء المُؤْمِنِ» «1» . وأما قول عائشة- رضى الله عنها: (كان إذا مَشَى أسْرَع) فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب التماوت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا ينهون عن خَبَبِ «2» اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشياً بين ذلك. وقيل: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ: انظر موضع قدميك، أو: اقصد: تَوَسَّطْ بين العلو والتقصير.
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ وانقص منه، أي: اخفض صوتك. كانت العرب تفخر بمجاهرة الصوت، فنهى الله عن خُلُق الجاهلية، فذكره لوصية لقمان، وأنه لو كان شيء يُهَابْ، لرفع صوته لكان الحمار، فجعلهم في المثل سواء. وهو قوله: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ أوحشها وأقبحها لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لأن أوله زفير، وآخره شهيق، كصوت أهل النار. وعن الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار، فإنه يصيح لرؤية الشيطان، وقد سماه الله منكراً، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير تنبيه على أن رفع الصوت في غاية البشاعة، ويؤيده: ما رُوِيَ أنه:
عليه الصلاة والسلام كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت.
وقال بعضهم: رفع الصوت محمود في مواطن منها: الأذان والتلبية. وقال في الحاشية الفاسية: بل ينبغي الاقتصاد في ذلك، كما قال عمرُ بنُ عبد العزيز: أَذِّن أذاناً سنِّياً، وإلا اعتزلنا. هـ. وقال عليه الصلاة والسلام:
«ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لَا تَدْعُون أصمَّ ولا غَائباً» «3» . وإنما وحّد صوت الحمير ولم يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من هذا الجنس حتى يجمع، بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده.
الإشارة: قد اشتملت وصية لقمان على خصال صوفية، تدل على كمال صاحبها، منها: استحضار مراقبة الحق ومشاهدته، في السر والعلانية، في الجلاء والخفاء. وهو قوله: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ.. إلخ. ومنها:
القيام بوظائف العبودية، بدنية ولسانية، وهو قوله: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ.. إلخ، ويقاس على الأمر بالمعروف والنهى
(1) أخرجه ابن عدى فى الكامل (5/ 8) ، وأبو نعيم فى الحلية (10/ 290)، من حديث أبى هريرة. وانظر: الفتح السماوي (2/ 913- 915) .
(2)
الخبب: ضرب من العدو. وقيل: الخبب: السرعة. انظر: «اللسان» (خبب 2/ 1085) .
(3)
بعض حديث أخرجه البخاري فى (الدعوات، باب الدعاء إذا علا عقبة، ح 6384) ، ومسلم فى (الذكر والدعاء، باب استجاب خفض الصوت بالذكر 4/ 2076 ح 2074) من حديث أبى موسى الأشعري رضى الله عنه. وقوله «اربعوا» أي: ارفقوا بأنفسكم واخفضوا أصواتكم.